نرجو المشاركة في الاستبيان الخاص بالمدونة

السبت، 20 ديسمبر، 2014

اعتزال الكتابة الأدبية


في العام 2005 اكتشفتُ بمحض الصدفة موهبتي في الكتابة السردية، بعد سنوات طويلة من كتابة الشعر. اعتقدتُ أن هذا الاكتشاف كان بداية حقيقية لاكتشاف نفسي، فكانت أول رواية قصيرة لي بعنوان (يوم من أيام فاطنة) وبتشجيع من المقربين ركزتُ جهودي في الكتابة السردية باحثًا عن التجويد فيما أكتب، ومع بدايات عام 2007 كانت الرؤية أمامي واضحة جدًا، وأصبح لدي مشروع روائي وهدف وحلم أريد وأسعى إلى تحقيقه. أزعم أنني أخلصتُ لمشروعي جدًا، وكنتُ أقرأ أكثر مما كنتُ أكتب، وفي خلال عامين تمكنتُ من نشر أربع روايات. ربما كانت إحدى أكبر أخطائي أنني تعجَّلتُ في النشر، وأنَّني لم أمنح كل رواية وقتها الذي تحتاجه من القراءة والانتشار، ولكن ظللتُ لسنوات مغمورًا لا يعرف عني أحد إلا القلة القليلة حتى جاءت رواية (قونقليز) التي أردت بمشاركتي بها في مسابقة الطيب صالح للإبداع الروائي أن أكسر طوق العزلة والصمت لأبحث لنفسي عن موطئ قدم بين عشرات الروائيين السودانيين، ومع فوزي بالجائزة شعرتُ بأن حلمي بدأ يتحقق فعليًا، ولكن يبدو أنني كنتُ مخطئًا.

خلال الفترة الماضية، جلستُ مع نفسي وراجعتُ تاريخي وواقعي وتوصلتُ إلى حقيقة واحدة وهي أنَّ الموهبة ليست هي شرط النجاح، فللنجاح شروط أخرى لم أكن أعرفها، وعندما عرفتها، أدركتُ أني لا أملكها. لستُ غنيًا (بل أنا فقيرٌ ومعدم)، والنجاح يتطلب المال، في حين أنَّ النجاح هو ما يجلب المال، هذا ما نعرفه وما يُقال لنا، ولكن الواقع شيء آخر. في هذا الواقع الذي نعيشه، لكي تنجح يجب أولًا أن يكون لديكَ القدرة على شراء النجاح، وأنا لا أملك ذلك، وليس لدي علاقات أخطبوطية، فلا أحد من أصدقائي صحفي، ولا أحد منهم ناقد، ولا أحد منهم مترجم، ولا أحد منهم صاحب دار نشر، ولا أحد منهم مقدم برنامج. اكتشفتُ أن الذي يُريد أن يصعد إلى الأعلى لابد له من أصدقاء يرتقي على اكتافهم، أصدقاء يساعدون في حمله ورفعه إلى الأعلى، وأنا أصدقائي مثلي تمامًا، يسيرون على الأرض بخطوات وئيدة، ويقبعون في الخفاء ويخافون من الأضواء. ربما يكون لي أصدقاء نقاد، ولكنهم لا يكتبون عني، ولم أطلب من أحدهم أن يفعل. ربما يكون لي أصدقاء مترجمين، ولكنهم لم يترجموا لي ولم أطلب من أحدهم أن يفعل. ربما لي أصدقاء صحفيون ولكن أحدًا منهم لم يهتم لأمر الكتابة عني وعن رواياتي بصدق وحماس.

بعد قراءتي لواقعي جيدًا أدركتُ أنه ليس بإمكاني أن ألوم أحدًا سوى نفسي، فأنا فعليًا لم أكن مخلصًا لمشروعي الأدبي أبدًا، ولم أجد أمامي سوى نفسي لأعاتبها وألومها وأقسو عليها. قررتُ آخر الأمر أن أعتزل الكتابة الروائية تمامًا، وأن أتنازل عن مشروعي الأدبي، وعن أحلامي المرتبطة بالكتابة الإبداعية تمامًا. لم يكن هذا قرارًا عاطفيًا، وإنما هو استشراف للمستقبل، فلا أريد أن أقضي ما تبقى من عمري في مطاردة الوهم الذي أعرف أنه لن يتحقق، في حين أرى أمامي زمرة الروائيين الحقيقيين وهم يسيرون في دربهم بهمة ونشاط ويُنجزون بشكل أفضل ما لا أتمكن أنا من إنجازه بشق الأنفس.

عفوًا، ولكنني فقط لم أعد أحتمل! أعلم تمامًا أنَّ قراري هذا قد لا يعني أحدًا، وقد لا يهم أحدًا، وربما يضحك البعض على هذا القرار، ولكنه بالنسبة إليَّ قرار يُعادل الانتحار.


الخميس، 18 ديسمبر، 2014

غلاف الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ 2014

منحت الجامعة الأميركية في القاهرة جائزة نجيب محفوظ للأدب لعام 2014 للكاتب السوداني حمور زيادة عن روايته «شوق الدرويش» (دار العين). وجاء في حيثيات الفوز أن هذه الرواية هي «سرد لقصة الحب والاستبداد والعبودية والقهر والثورة المهدية في السودان في القرن التاسع عشر... ما جعلها تجسد المشهد الحالي في المنطقة حيث تعم الفوضى نتيجة للتطرف الديني». ولفتت لجنة التحكيم إلى «الثراء الملحمي»، و»تعدد مستوى الخطاب اللغوي» في رواية حمور زيادة (1977) الذي يقيم في مصر و «شوق الدرويش» روايته الثانية، وهو أول كاتب سوداني يفوز بهذه الجائزة.

وأضاف تقرير منح الجائزة: «الرواية تصور الدمار الذي سببته الثورة المهدية- وهي حركة دينية متطرفة عنيفة - على نحو مبهر من السرد والشعر والحوار والمونولوغ والرسائل والأغاني والحكايات الشعبية والوثائق التاريخية، وحتى الترانيم الصوفية والابتهالات الكنسية وآيات القرآن والتوراة والإنجيل». وفضل زيادة في كلمة استلام الجائزة الحديث عن رمزية الأسود في نفسية الكاتب «الرجال ذوو الوجوه المحترقة»، واحتفت شهادته بالحكي والحكايات كوسيلة للونس وكسر حواجز الوحدة في بلاد «ترتمي بين غابة وصحراء، تثقلها جبال ويرطبها نيل، لا يحدث فيها شيء، ويحدث فيها كل شيء». ثم قال: «لولا الحكايات لكنا أكثر عزلة وأشد وحشة».

فوز حمور زيادة، قوبل بترحيب شديد، لكونه كاتباً قادماً من خارج دوائر الانتشار الثقافي وحتى الصحافي داخل القاهرة، ليس لأنه سوداني، ولكن لأنه يقدم نفسه وكتاباته من هذا المبدأ، وربما يعزى إليه الفضل الأول في السرية التامة التي غلفت اسم الفائز هذا العام. عدا هذا فحمور زيادة معروف بتغلغله في صميم الحياة المصرية ويتكلم على صفحته الشخصية في «فايسبوك» مثلاً عن الثورة المصرية التي عاصرها وشارك فيها بكثير من الوعي والحماسة وبمفردات عامية مصرية لا تجعلك تشك في مصريته الأصيلة. هذه الحيوية النابعة أيضاً من اشتغاله بالصحافة في بلده يغلفها بخلطة أخرى على النقيض تماماً من الخجل والإنطوائية و»الثقل»، أو قل «الرزانة». وهذا يفسر أن حضور حفلة الجائزة التي أقيمت في «القاعة الشرقية» في حرم الجامعة الأميركية في وسط القاهرة، خلا من الكتاب المصريين المعروف عنهم حرصهم كل عام على حضور تسليم الجائزة. وامتلأت القاعة إلى جانب فريق الجامعة الأميركية والكثير من الصحافيين، بأصدقاء الكاتب المعدودين على أصابع اليد الواحدة ومعظمهم خارج الوسط الأدبي، وأمه التي تقيم معه في مصر منذ قدم إليها في 2009.

كلمة حمور زيادة، خلت من الحديث المعهود عن طبيعة الجائزة نفسها أو عن محفوظ نفسه، وجاء اهتمامه بالفن ووظيفته في كسر حواجز الوحدة، وأن «شوق الدرويش» تقدم «شيئاً من الونس، تلتقي بوجداننا السوداني ووجدان الجماعة الإنسانية»، مثلما آمن نجيب محفوظ في مقالة استشهد بها زيادة، تقول إن وظيفة الفن هي التقاء الشعوب في شعور واحد. أما السياسة التي يمكن التقاطها في كلمات الفائز عن العزل والسود فإنه لا يتطرق إليها إلا من مدخل الحكي في بلاد تزخر بـ»تراث متراكم من الحكي والمرويات والأساطير والتاريخ الثقيل». وهذا المنحى هو ما تدور حوله أعماله المتمثلة في مجموعتين قصصيتين وروايتين. وزعم زيادة في كلمته أن ذلك التراث هو ما لفت نظر لجنة تحكيم الجائزة، وقال: «ما حاولت أن تقدمه رواية «شوق الدرويش» هو قبس من حكايات بلاد الرجال ذوي الوجوه المحترقة، حكايات عن معاناتهم وأحلامهم وهزائمهم وأساطيره».

لم يغفل زيادة في كلمته الاستشهاد بأستاذه الطيب صالح الذي يجله إلى حد التقديس ويلحق اسمه دائماً بلقب «سيدي». وذكر أن الأديب المصري يوسف إدريس قال للطيب صالح: «حين أقرأ لك يا الطيب أحس بالونس». المقابلة مع الطيب صالح لم تكن مصادفة؛ حيث قارنت شهادة لجنة التحكيم التي قرأتها في الحفلة الناقدة تحية عبد الناصر رئيس لجنة التحكيم بين رواية حمور زيادة و»موسم الهجرة إلى الشمال» من حيث أنها تكتب قصة العشق في التاريخ، ورفض البطل الأسود لواقعه، وعجزه الكسير والوحشي في آن أمام فكرة الآخر. وانتهت اللجنة إلى أن الرواية من هذا المنحى تعتبر «ملحمة تاريخية عن الحب والثأر والتطرف والعبودية».

السبت، 1 نوفمبر، 2014

سياحة في حقل ألغام محجوب شريف



يُعتبر محجوب شريف من شعراء العامية السودانية القلائل الذين نالوا محبة واحترام قطاع كبير جدًا من الشعب السوداني، وذلك بسبب مواقفه الإنسانية المناصرة على الدوام لحقوق الطبقات المسحوقة، ورفضه الدائم للأنظمة الديكتاتورية، إضافة إلى مواقفه النضالية المعروفة، وتعرضه الشخصي للاعتقال عدة مرات على أيدي الأنظمة التي عاداها بشكل مباشر. تميز محجوب شريف بمواقفه المبدئية الواضحة جدًا تجاه القضايا الوطنية والإنسانية، وانحيازه التام للجماهير والشعب، مما جعله شخصية محبوبة جدًا، ومن الصعب تعريض شخصية ذات جماهيرية شعبية مثله للنقد، دون توقع نوبة عارمة من الرفض والاستياء، ولهذا أعتبر هذه القراءة النقدية سياحة في حقل ألغام؛ لاسيما وأننا كسودانيين نعشق رموزنا إلى حد التقديس، حتى وإن لم نستشعر هذا الأمر بشكل واضح ولم نعترف به؛ فالغالبية لا تتقبل النقد أو المساس برموز بعينها تراها أو تعتبرها أيقونات لها ثقلها التاريخي والثقافي. وحيث أنني ضد مفهوم القداسة التي تعني –ضمن ما تعنيه- تعطيل النقد، وأرى أنه لا شيء فوق النقد على الإطلاق، فإنني قررت خوض معركتي الخاصة في نقد تجربة الشاعر محجوب شريف بصورة موضوعية للغاية. 

في البدء وقبل كل شيء، وحتى يكون نقدنا مبنيًا على قواعد ثابتة وراسخة، يتوجب علينا معرفة أن شاعرنا محجوب شريف لم يكن سوى شاعرًا غنائيًا، ولم يكن شاعرًا! ولفهم هذه النقطة علينا معرفة الفارق الأساسي والجوهري بين: الشعر والشعر الغنائي. فكثير منا قد لا يرى فوارق كبيرة وجوهرية بين الشعر الغنائي والشعر، وقد نعتقد أن الشعر الغنائي ما هو إلى شعر تم تلحينه وغناؤه، ولكنه في نهاياته القصوى ليس شيئًا آخر غير شِعر. هؤلاء قد يعتمدون في رأيهم هذا على أن عصب الحياة الشعرية يكمن في الموسيقى والإيقاع الذي يجعل أي شعر قابلًا لأن يكون مادة غنائية، ولكن ذلك ليس صحيحًا، أو ليس دقيقًا إلى حد كبير. والحقيقة أن الشعر الغنائي غنائي من داخله؛ حتى وإن لم يتم تلحينه وغناؤه، والشعر غير الغنائي لا يمكن أن يكون غنائيًا حتى وإن تم تلحينه وغناؤه؛ فالفكرة هنا ليست في التلحين والغناء أو حتى قابلية التلحين والغناء، وإنما في البناء الكلي أو الداخلي للقصيدة ، وهو ما يمكن أن يحدد شكل القصيدة بمعزل عن العوامل الخارجية. 

وفي هذا المعنى تقريبًا يقول كريس روبلي، محاولًا توضيح الفارق بين الشعر والشعر الغنائي من وجهة نظره كممارس للموسيقى والشعر: "الشعر الغنائي قد يكون كلامًا شعريًا، والشعر قد يكون عملًا غنائيًا، ولكن نادرًا ما يجتمع الاثنان. وبطبيعة الحال؛ فإنه ليس من الجيد أن نكون دغمائيين كليًا حيال أي شيء، ولكن بشكل عام فإن نجوم موسيقى الروك يكتبون قصائد سيئة من الناحية الشعرية، وبالمقابل فإن الشعراء أيضًا يكتبون قصائد سيئة من الناحية الغنائية. وأعتقد أن حتى بول سيمون وراندي نيومان قد اعترفا بذلك إلى حد كبير. الشعر يجب أن يعتمد حصرًا على الكلمات فقط بما فيها من أصوات ومعانٍ وغموض؛ وحتى المسافة بين الكلمات. بالتأكيد، فإن الشعر الغنائي يمكن أن يعتمد على كل هذه العوامل ليكتسب قوته، ولكنه بالإضافة إلى ذلك فإنه مدعوم بتلك التجربة الصوتية الغامضة المُسماة (موسيقى). ولأن القصائد الغنائية تمتلك ذلك الدعم الموسيقي، فهي لا تعمل جيدًا في الغالب عندما تكون مشحونة بشكل مفرط بالمُحسنات البديعية المطولة أو التجريدية. وغالبًا ما تعمل الموسيقى على إلهائنا عن الاهتمام بمعاني الكلمات التي قد تبدو مبتذلة في ذاتها. أحيانًا فإن الأكثر حماقة وسخافة في موسيقى البوب يعتبر هو الأكثر ذكاءً."   

ما يحاول روبلي قوله فيما سبق أن الشعر الغنائي في احتفائه بالموسيقى قد يعمل على تجاهل المعاني التي تحملها الكلمات التي يستخدمها، فلا يكون اهتمام الشاعر بالكلمة من حيث معناها بقدر ما ينصب على الكلمة من حيث موسيقاها، وترابط هذه الموسيقى مع موسيقى الكلمة التي قبلها؛ لينجح في النهاية في خلق نسق مموسق من خلال البنية اللغوية التي يمكن تشبيهها بالنوتة الموسيقية، بحيث يصبح بالإمكان استشعار اللحن والموسيقى عند مجرد قراءة القصيدة الغنائية، حتى دون الحاجة إلى تلحينها وأدائها غنائيًا. 

قد نختلف أو نتفق مع ما ذهب إليه روبلي، ولكن الفكرة الأساسية من كل ذلك هو محاولة فهمنا للفارق الأساسي والجوهري بين الشعر الغنائي والشعر؛ فالشعر الغنائي في حقيقته يحتفي بالموسيقى، وليس بالإيقاعية التي تتوفر أيضًا في الشعر غير الغنائي، وفي حين يمكن لأي ملحن أو موسيقار أن يصنع من أي قصيدة أو نص شعري قطعة موسيقية مغناة، فإن هذا لا يتدخل أبدًا في بنية النص الشعري نفسه، فغالبية كلمات أغاني الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد لم تكن في الحقيقة قصائد غنائية، ولكنه نجح في تلحينها وقدمها كنموذج غنائي مختلف في تجربته الفنية، وهذا ما كان يميز تجربته فعلًا، في حين يعتمد عدد كبير جدًا من الموسيقيين والمطربين فيما يقدمونه من أعمال غنائية على أشعار غنائية في الأصل، ذات موسيقى جيدة، ومعان أقل جودة. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل يمكن عقد مقارنة بين الشاعر الغنائي والشاعر غير الغنائي من الناحية الإبداعية فعلًا، أم هذه المقارنة قد تؤدي بنا إلى الإجحاف في حق أحدهما؟ 

من وجهة نظرنا الخاصة؛ فإن محجوب شريف شاعر غنائي دون شك، وهو في ذلك يختلف عن معاصريه من بقية الشعراء، من أمثال الشاعر محمد الحسن سالم حُميِّد، ومحمد طه القدَّال وغيرهما. والحقيقة أنهما من مدرستين مختلفتين تمامًا؛ ففي حين أن ما يقدمه محجوب شريف يعتبر شعرًا غنائيًا، فإن ما يقدمه كل من القدَّال وحُمِّيد يعتبر شعرًا! على أن الفارق بين شعر حُميِّد والقدَّال فارق أسلوبي لا أكثر، وهو ما يجعلنا نضعهما تحت تصنيف واحد، ونضع محجوب شريف في تصنيف آخر مغاير ومختلف تمامًا؛ فشعر حُمِّيد يمتاز بالأسلوب السهل الممتنع المستمد من عمق الثقافة السودانية بكل مكوناتها المادية والوجدانية، كما يمتاز شعره بالتصوير الدرامي أو السينمائي للمشهد، وهكذا يجب أن يكون الشعر الملحمي، الذي يسرد القصة في قالب شعري، وكمثال على ذلك، ما نجده في قصيدة (السُّرَّة بت عوض الكريم) التي جاء في بدايتها: 
جات داخلة زي مرقة غضب من جوف حليم في زمن صعبْ 
رمت السلام زي شنطة من كتف المسافر بتعب 
زي ردخة رَّب: "الله يا رب" 
قعدت على طرف العنقريب المحاذي الواطة 
ضايرت التراب، كُسَر العويش الفوقو شالت بإصبعا 
وشختت شخيت: "الله يا رب" 

هذا تصوير سينمائي بجدارة؛ حتى أننا قادرون على تخيل المشهد بكل تفاصيله الحركية. كما أننا نجد الأسلوب السهل والممتنع متمثلًا في جوانب عديدة، كما في قوله: "جات داخلة زي مرقة غضب" فاستخدامه لجدلية (الدخول والخروج) في سياق التوصيف كان من السهولة الممتنعة، بحيث تصور لنا كيف كان دخولها قويًا ومندفعًا وغاضبًا في الوقت ذاته، تمامًا كما يكون غضب الحلم عندما يخرج من صدره، وكذلك في قوله: "رمت السلام زي شنطة من كتف المسافر بتعب" وهذا تصوير مدهش، بحيث يشبه إلقاء السلام بإلقاء المسافر لحقيبة سفره، ويضيف إلى ذلك عنصر التصوير الواقعي في قوله: "زي ردخة رَّب"، وكلمة (رَّب) هنا تمثيل أو تجسيد لصوت إلقاء الحقيبة. وهكذا يكون شعر حُميِّد تعبيرًا نموذجيًا عن الأسلوبية السهلة والممتنعة، في حين يمتاز شعر القدَّال بالالتصاق بالثقافة السودانية البحتة على مستوى اللغة وعلى مستوى التصاوير، حتى ليكاد القارئ غير السوداني لا يفهم سطرًا منها؛ بل وإن كان القارئ سودانيًا ومن مكوَّن ثقافي مغاير لثقافة البطانة التي يستخدمها القدَّال كمادة لقصائده، فإنه بالضرورة لن يفهم الكثير مما يقرأه في شعره. ونجد هذا الالتصاق الثقافي الحميم في شعره كما في قصيدة (مسدار أبو السرة  لليانكي) التي يقول في بدايتها: 
أُماتي القبيل بي حنهن لجني: كَرفة وقلدة 
كيف شوق اللبن رجنّي 
حزنًا جاني في ميع الصبا يلجني 
اطلع مني يا جلدي المنمل جني
واطلع مني يا حزنًا بقى مكجني 
خلني ابدا مسداري
وأودي قفايا لي دارًا بقت مي داري
جيتَ وجلدي بيني وبين عضايا الشحمة 
إلا النار بقت قدامي
جلدي الليلة بيني وبين عضايا المافي
إلا تراني شوال الكِبس 
نِفِّيخ جراريب الورم 
هدانّي في جلدي الورم قولن لي 
ولا صحي الورم عضاني
سفريتك مي في النية 
وماها الكانت محرية
خابراك عِرِّيف 
زم العربان ولّا قيام الوردية
مالك تريان ومندي كاسي الكتان والهندي
قولك ككيف ترجى البيشان ولا الغربة البزندي
برق العِبدلي الوزني يا طاش يا جاب المزن
وفرِّق يا الضيف فعل الغضبان أم فرفيرات الحزن

هذه هي ببساطة ثقافة البطانة ولغتها التي تستعصي على الفهم لمن لم يكن جزءًا من هذه الثقافة حصرًا، وهذا هو شعر القدَّال الذي قد يستغرب البعض أن يكون شعرًا يتغنى به المغنون؛ إلا أن هذه القصيدة تغنت بها مجموعة عقد الجلاد؛ بل وأبدعت في غنائها. تأتي مدرسة القدَّال لتختلف عن مدرسة حُميِّد بكونها مدرسة الشعر الممتنع وذلك باستعصامها بعناصر ثقافية شديدة أو موغلة في المحلية والخصوصية، وهذا النوع له محبوه ولاشك، ولكنه يظل شعرًا فئويًا أو جهويًا إلى حد كبير جدًا، وهذا ما يجعل القدَّال وشعره، محاطًا بشعبية لا تكاد تخرج عن الدائرة الثقافية التي جاء هو منها. ويأتي شعر محجوب شريف ليمثل التيار السهل في الشعر، بحيث يكون شعره من النوع البسيط. غير أن البساطة والسهولة في هذا المقام ليستا ميزة؛ بل هو تمايز لا أكثر. بمعنى أن النسق التبسيطي الذي يستخدمه محجوب شريف يجعل شعره متمايزًا ومختلفًا عن شعر غيره، ولكن لا يجعله متميزًا عنه بالضرورة. وإلى هذا الحد فإننا نرى الاختلافات الأساسية التي يمثلها كل شاعر من هؤلاء متنقلًا بين السهل الممتنع الذي يُمثله حُميِّد، ثم الممتنع الذي يمثله القدَّال؛ والسهل الذي يمثله محجوب شريف. ومن هنا نرى أن شعر حُميِّد قد يكون شعرًا متوسط الجماهيرية، بينما يكون شعر القدَّال شعرًا فئويًا، في حين أن شعر محجوب شريف هو شعر جماهيري لأنه يصل إلى الجميع ببساطته المتناهية.

هذا التنصيف المبدئي لا يحسم أي قضية لصالح أي مدرسة من هذه المدارس على الإطلاق، لأن هذه المدارس مدارس أسلوبية وحسب، ولكنه فقط يوضح لنا -على المستوى الأسلوبي- ما تمثله وظيفة الأسلوب والدلالات اللغوية لكل مدرسة شعرية على حدة، وإلى أي مدى قد يسهم الأمر في تفسير الجانب الإحصائي لجماهيرية لكل شاعر أو كل مدرسة. على أن الأمر هنا لا يختص بالجودة الشعرية، ففئوية شعر القدَّال لا تعني أن شعره أقل جودة من شعر حُميِّد، ولا بساطة وجماهيرية شعر محجوب شريف تعني أفضليته على شعر حُميِّد أو القدَّال. ولكن ورغم هذا التصنيف الأسلوبي، فإن شعر كل من حُميِّد والقدَّال لا يمكن أن يكون مقاربًا بأي حال من الأحوال لشعر محجوب شريف، والعكس صحيح أيضًا، وذلك بوضع اختلاف البنية التركيبية في الاعتبار، وسوف نأتي على توضيح هذه النقطة لاحقًا، ولكن ما يهمني هنا الآن أن نوضح وبشكل مبدئي أن حُميِّد والقدَّال يقبعان –رغم الاختلافات الأسلوبية بينهما- في خندق شعري واحد، بينما يقبع محجوب شريف منفردًا في خندق آخر تمامًا.

أرى أننا بوضع مقارنة بين مجموعة من شعراء  الشعر (حُميِّد والقدَّال كمثال) مع مجموعة من الشعراء الغنائيين (بمن فيهم محجوب شريف)، فإننا نظلم المجموعة الأولى ولاشك، ونقلل من قدرهم، وذلك على الرغم من اعترافنا بأهمية وجماليات الشعر الغنائي بصورة عامة ومبدئية، ولهذا فإننا لا يمكن أن نجري مقارنة بين شعر عبد الرحمن الأبنودي وشعر سيد حجاب في الأدب المصري مثلًا، وعدم قدرتنا على خلق مقارنة من هذا النوع لا يجعلنا نعتقد على الإطلاق بتميز أحدهما على الآخر، وإنما يعني أن كل شعر متمايز ومختلف تمامًا عن الآخر، بحيث لا تصح المقارنة. على أننا عندما نتكلم عن الشعر كجنس أدبي فقد لا نتذكر سيد حجاب، ونحن نذكر عظماء الشعر المصري من أمثال الأبنودي وغيره، والأمر ببساطة يتمثل في أن الشعر الغنائي ليس تابعًا للأدب؛ بل تابع للفن. وسوف يندهش البعض من هذا التفريق، ولكن هذا الاندهاش يزول عندما نعرف أن مصطلح الفن هنا يقصد به حصرًا ما يتعلق بالموسيقى والغناء، وليس الفن كمفهوم عام وقيمة إنسانية ينضوي تحتها الأدب، لأن الأدب بكل أشكاله وأجناسه ليس سوى أحد فروع الفنون، مثله في ذلك مثل الفن الغنائي والفن الموسيقي. ومن حسن الحظ أن الأدب السردي الروائي لم يدخل بكلياته إلى الفن السينمائي، رغم اعتماد السينما على الأعمال الروائية في كثير جدًا من الأحيان، ولكن يعود الفضل في ذلك إلى مهنة السيناريست في عالم السينما التي توازي الفعل الروائي السردي في الأدب؛ ولذا فإن السيناريو ليس عملًا روائيًا، والسيناريست ليس روائيًا، ولهذا –أيضًا- فإن كاتبًا مثل أسامة أنور عكاشة لا يعتبر روائيًا، على الرغم من عظمة أعماله الدرامية دون شك.   

قلنا إن الشعر في مجمله يحتوي على الإيقاعية، وهي أهم ما يميز الجنس الشعري على الجنس السردي، ولكن هذه الإيقاعية لا تجعلنا بالضرورة ننظر لأي قصيدة على أنها قصيدة غنائية، هذا لا يمكن على الإطلاق، حتى ولو تم إخضاع النص الشعري للتلحين، فهذا لا يجعل من النص نصًا غنائيًا. وثمة أمثلة كثيرة جدًا لقصائد غير غنائية تم استخدامها لأغراض التلحين والغناء، وأيضًا قصائد غنائية لم تنل حظها من التلحين والغناء. ولنأخذ مثالًا لشعر غير غنائي تم تلحينه وغناؤه، لنعرف الفارق النوعي الكبير بين الشعر والشعر الغنائي، فعندما نقرأ قصيدة (رجعلك قليبي المهضلم) للشاعر محمد طه القدَّال، والتي يقول في بدايتها: 
رجعلك قليبي المهضلم
  يراجع صنوف الغناوي العصية
يراجع معاك الكلام القبيل استباك
الكلام المبهرج وخاوي
الكلام المزيف
ولا فيه غير احتلام وانفصام
تموت الحروف يوم تقوم القصائد
مقام الطبول والبخور
بشوفك جرايد شواكر حوامد
ولا هامي فيها
عليها المصائب تمام التمام
مغايص بتفرم حشاها
وغبائن بتنفخ بطون البسفو التراب
وحايح لهيب تلهلب وتكوي الجلود
أتف القصائد
إذا ما القصائد دايرة ليك البُكا
البِصاحب رضا السردار
وأتف القصائد إذا ما القصائد
بتنزل مُريدة وتسبح بحمد الذي
ابتلاك وهداني الودار

أو عندما نقرأ قصيدة كقصيدة (نوره) لمحمد الحسن سالم حُميِّد، وهي من القصائد غير الغنائية والتي يقول في بدايتها: 
وقتين يضيع عرق الجباه الشم شمار في مرقة
آه يا نوره آه 
من دربك إتوَّر نفس خيل الصبر
فتَّر خطاوي الشوق وراك 
ساعة الشموس الغُر تهضلم 
تلحق الصِح في المغارب 
يستر الضو الكهارب
تستر المدن الضبابية السرابية الكآبة
حائط التيه والطشاشات فوق كفيِّك
يم عوارض مو دعاشة
ماها شبورة وتقيف
جاي ليك يا نوره غيمة 
تملا ماعونك خريف 
يملا عينيك ويفضِّل
يروي جواك العطاشى

هاتان القصيدتان للقدَّال وحُميِّد لم تكتبا للغناء ولاشك، رغم أنهما تحتفظان بالإيقاعية التي تميز الشعر، ولكن هذه الإيقاعية مكرسة للشعر وليس للغناء والموسيقى، كما في كثير من القصائد غير الغنائية التي تم إخضاعها لتجربة التلحين والغناء كبعض قصائد عاطف خيري (سيناريو اليابسة) و(شهيق) أو قصيدة الصادق الرضي (غناء العزلة ضد العزلة) وغيرها، على العكس من قصائد الشعر الغنائي التي يمكن اكتشاف موسيقاها الخاصة داخلة في تركيبتها كعجينة واحدة، تمامًا كما في قصيدة (حنبنيهو) لمحجوب شريف، والتي تغنى بها الفنان الراحل محمد وردي، وتقول بعض كلماتها: 
حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي 
وطن شامخ وطن عاتي 
وطن خيِّر ديمقراطي 
وطن مالك زمام أمره 
ومتوهج لهب جمره 
وطن غالي 
نجومه تلالي في العالي 
إرادة .. سيادة .. حرية 
مكان الفرد تتقدم قيادتنا الجماعية 
مكان السجن مستشفى 
مكان المنفى كلية 
مكان الأسرى وردية 
مكان الحسرة أغنية 
مكان الطلقة عصفورة 
تحلق حول نافورة 
تمازج شُفَّع الروضة 

ولعلنا نكتشف تأثير موسيقى القصيدة الداخلية-الذاتية على الموسيقى الخارجية، بحيث يمكننا القول بسهولة إن موسيقى القصيدة أثرت سلبًا، وبشكل ملحوظ للغاية في موسقة الأغنية وتلحينها. قد لا يتفق معي كثيرون حول هذه النقطة، غير أنني أفضل قراءة هذه القصيدة على أن أستمع إليها مُغناة، لأن الأغنية قد أخذت من رونق القصيدة وعفويتها الموسيقية، وعلى أي حال فهذه نقطة أخرى لا تعنينا مناقشتها هنا. 

هنالك -في الحقيقة- الكثير من القصائد التي تم استخدامها في الغناء دون أن تكون قصائد غنائية؛ وبالتالي دون أن يمكننا إطلاق صفة الغنائية على شعرائها، وشعر كل من حُميِّد والقدَّال يصنف -بارتياح شديد- ضمن الشعر غير الغنائي، كما أنهما بطبيعة الحال ليسا شاعران غنائيان، وربما كانت تلك واحدة من إبداعات الفنان مصطفى سيد أحمد الذي نجح في تطويع القصائد العصية على التلحين وجعلها قابلة للتلحين والغناء، معتمدًا في ذلك على مهارته الموسيقية وحدها، وليس على مادة القصيدة الموسيقية. 

وإلى هذا الحد نفهم أن الشعر الغنائي هو شعر يكتب ليغنى تمامًا كما هو اسمه، حتى وإن لم يتم تلحينه وغناؤه، فإن بنيته الموسيقية المتجاوزة لإيقاعية الشعر المعتادة تجعله كذلك ولاشك، بخلاف الشعر غير الغنائي الذي لا يسمح لنا إيقاعه الداخلي برؤيته على نحو موسيقي أو غنائي على الإطلاق؛ بل يظل في إطاره الشعري كما هو. ومن الظلم الكبير أن نقارن بين أشعار القدَّال مثلًا وأشعار محجوب شريف، فشعر الأخير أقل قيمة دون شك. على أن القيمة المقصودة هنا ليست بالضرورة قيمة المعنى والدلالة، ولكننا نعني القيمة الشعرية كبناء فكري وفلسفي، وليس لغوي إيقاعي وحسب؛ إذ أننا لو راجعنا قصيدة (حنبنيهو) التي سبق الإشارة إليها أعلاه، سوف نجدها تنضح بالمعاني الجميلة والراقية جدًا، ولكن هذه المعاني الجيدة تم وضعها في قالب بسيط وساذج للغاية؛ إلى الدرجة التي احتمل معها موسيقى راقصة من داخلها، هي ذات الموسيقى الراقصة التي نجدها في قصيدة رثائية كتبها الراحل محجوب شريف في قصيدته (يا والدة يا مريم) والتي يقول في بدايتها: 
يا والدة يا مريم يا عامرة حنية 
أنا عندي زيك كم يا طيبة النية
بشتاق وما بندم اتصبري شوية
ماني الوليد العاق لا خنت لا سراق
والعسكري الفرّاق بين قلبك الساساق 
وبيني هو البندم والدايرو ما بنتم
يا والدة يا مريم 

وكذلك ما نجده في القصيدة المشهورة التي تغنى بها المطرب محمد منير، وكانت السبب في تسميته بشاعر الشعب، والتي تقول كلماتها: 
الاسم الكامل: إنسان
الشعب الطيب والديَّ
الشعب حبيبي وشرياني
أداني بطاقة شخصيّة
من غيرو الدنيا وقبُّالو
قدامي جزائر وهميّة
لا لون
لا طعم
ولا ريحة
وأيام مطفيّة مصابيحها
زي نجمة بعيدة ومنسيّة
المهنة: بناضل وبتعلم
تلميذ فى مدرسة الشعبِ
المدرسة فاتحه على الشارع
والشارع فاتح في قلبي
وأنا قلبي مساكن شعبيّة
والواقع أن الناظر في قصائد محجوب شريف قد يلحظ بساطة الخيال الإبداعي فيها، بحيث لا نجد في قصائده ما يسمى بالخيال المركب، أو الخيال التصويري، أو الخيال الفلسفي؛ وعلى العكس من ذلك فإن خياله يكاد يكون فقيرًا. وأنا شخصيًا لا أعتبر ذلك معيبًا في شعر محجوب شريف من حيث أنه شعر غنائي؛ فالشعر الغنائي في الواقع ليس مطلوبًا منه ذلك، فأدوات الخيال والتصوير والعمق الفكري هي أدوات أكبر من وظيفة الشعر الغنائي ولا تتناسب معه. وإن نحن اعتمدنا فقط على النماذج الواردة من شعره هنا فإننا قد نقف على أنيميا الخيال الإبداعي في شعره، كما في قوله: "أيام مطفيَّة مصابيحها زي نجمة بعيدة ومنسية" فهو يحاول أن يقول إنه بدون الشعب ستكون أيامه مظلمة، وسيكون منعزلًا ووحيدًا كنجمة بعيدة ومنسية. في الحقيقة هذا خيال أقرب إلى الخيال الطفولي، لا يختلف عن قوله في قصيدة (حنبنيهو): "وطن غالي. نجومه تلالي في العالي". 

ولكي نكون منصفين؛ فإنه لا يتوجب علينا توقع أكثر من هذا الخيال البسيط في شعر غنائي أو من شاعر غنائي، لأن البساطة هنا هي قيمة في حد ذاتها، ولا تقل قيمتها عن قيمة الموسيقى داخله. ولهذا فإن أغلب أشعار محجوب شريف يمكن أن تصنف على أنها من فن الأرجوزة الذي تمثل فيها البساطة والموسيقى قيمتين أساسيتين واعتباريتين. وإذا أخذنا الفارق بين الأرجوزة والقصيدة فإننا قد نقف على نتائج مثيرة للدهشة، ولهذا فإن الدكتور مهدي لعرج تناول "الحديث عن الأرجوزة في استقلالها عن القصيدة، فقد خلط كثير من القدماء والمعاصرين بينهما." على اعتبار أن الأرجوزة والقصيدة ليستا شيء واحد؛ بل هي فن من فنون الشعر. وبصورة أكثر وضوحًا فإن الشعر جنس أدبي مخالف لجنس السرد، وهذا الجنس الأدبي المسمى شعرًا يندرج تحته عدد من الفنون الشعرية، منها القصيدة ومنها الأرجوزة، وفي حين يمكننا اعتبار الأرجوزة شعرًا أو فنًا شعريًا، فإنه لا يمكننا اعتبارها قصيدة، فهل يمكننا تصنيف إبداع محجوب شريف فعلًا كأرجوزات لا كقصائد؟ سأترك هذا الأمر لزمرة النقاد الجادين ليبحثوا حول هذا الأمر بشكل أكثر توسعًا. 

الخيال المتوفر في شعر محجوب شريف هو من نوع الخيال البسيط، بالإضافة إلى ذلك النوع من الخيال الذي يمكن تسميته بالخيال الممكن، أو خيال الإمكان، ومثال ذلك كما في قوله: "تلميذ في مدرسة الشعب. المدرسة فاتحة على الشارع. والشارع فاتح في قلبي وأنا قلبي مساكن شعبية." هذا النوع من الخيال يُستخدم فيما يسمى بأسلوب الاستتباع اللفظي؛ بحيث أن اللفظة تستدعي لفظة أخرى في ذات السياق، فيأخذ من جملة: (المدرسة على الشارع) الكلمة الأخيرة (الشارع) ليبني عليها جملة جديدة: (الشارع فاتح في قلبي)، لتكون هذه الجملة الجديدة مفتاحًا يأخذ منها كلمته الجديدة (قلبي) ويبني منها جملته التالية: (وقلبي مساكن شعبية)، وهكذا يمكن أن تتكرر عملية الاستتباع لتكون صورة بسيطة جدًا للفكرة. هذا الأسلوب شائع بشكل أكثر تأسيسًا فيما يسمى بالشعر الحلمنتيشي أو الهزلي، لأنه أسلوب يعتمد على التشويق والإدهاش والمفاجأة عبر تتبع إمكانيات توظيف كل نهاية جملة في كل بداية جملة جديدة، وهو نوع من العبث اللفظي الذي لا يجدر بالشعر الاهتمام به، ولا يعول عليه كثيرًا.  

على أننا قد نتفهم تمامًا عبارة مثل: (المدرسة فاتحة على الشارع) فنحن في السودان نستخدم مثل هذا التعبير؛ عندما تكون البوابة الرئيسية للمبنى مطلة على شيء ما نقول: "هذا المبنى (فاتح على) هذا الشيء." أي مطل عليه، ولكن (الشارع فاتح في قلبي) هي جملة مفارقة تمامًا لا معنى لها على الإطلاق؛ فالشارع في الحقيقة لا يفتح على شيء. وفي القصيدة ذاتها نقرأ هذا البيت: (من غيرو الدنيا وقبالو) الشاعر هنا يتكلم عن الشعب الذي أعطاه بطاقة شخصية، فيقول إنه من غير هذا الشعب يصبح بلا قيمة. هذا المعنى المستخلص من الأبيات، ولكن لو حاولنا أن نفهم معنى عبارة (وقبالو) في هذا السياق فهل لها معنى فعلًا؟ لأن الضمير المتصل في كلمة (غيرو) التي تعني (غيره) في الفصحى عائدة على (الشعب)، ومن البديهي أن الضمير في كلمة (قبالو) التي تعني (قبله) في الفصحى أن تعود على الشعب ذاته أيضًا، فما معنى العبارة إذن؟ (من غير الشعب ومن قبله أصبح بلا قيمة)! الحقيقة أن الجملة لا معنى لها، فهي غامضة لأن كلمة (قبالو) لا معنى لها في هذا السياق؛ بل هي لفظة زائدة جاءت لأغراض الموسيقى الشعرية لا أكثر.  

إن الموسيقى الشعرية عند أي شاعر غنائي يعتبر هاجسًا مؤرقًا جدًا، إلى الدرجة التي تجعل النص نفسه مسرحًا لاستعراض موسيقي على حساب المعنى الداخلي، وليس المعنى العام. فكما رأينا قبل قليل أمكننا استخلاص المعنى العام دون التدقيق في المعنى الداخلي الذي يتمثل في الترابط بين الكلمات، وهذا مصادق لما قاله روبلي تمامًا، والسبب في قدرتنا على استخلاص المعنى العام لا يعود في الحقيقة إلى موهبتنا نحن الشخصية في الاستنكاه وسبر غور المعاني؛ بل يعود إلى بساطة المعنى ووضوحه الشديدين في النص الغنائي، كشرط أساسي قد يصل إلى درجة الوظيفية. ومن عيوب الهوس الموسيقي في الشعر الغنائي: التكرار وعدم الاتساق اللغوي. فعندما نقرأ قصيدة مثل قصيدة (عشَّة كلمينا) نجد أن الشاعر يضطر إلى التكرار لملء الفراغات الموسيقية في النص، حتى ولو كان ذلك على حساب المعنى، فنجد يقوله مثلًا: 
نحن شعب أوسطة
يلا جيبو مونة
نبني .. نبني .. نبني
مسرحًا ونادي
مصنعًا .. وبوسطة
حرب لا لا لا
كبري إستبالية

إن الضرورة الموسيقية هنا تتجلى بوضوح شديد، كما أن البساطة أيضًا تتجلى في هذه القصيدة، كما ليس في أي قصيدة أخرى، وهذا الأمر –بالتأكيد- بعيدًا عن المعنى العام الذي قد يكون رائعًا وساحرًا، ولكن الإبداع الشعري في العموم يكمن في قولبة الأفكار الجيدة في قالب جيد أيضًا، وهو قالب المعالجة الشعرية، وعندما يكون القالب مشوهًا وبهذه السذاجة، فإن هذا يكون خصمًا من رصيد الفكرة، بحيث تتحول فكرة رائعة كهذه الفكرة إلى ما يشبه نشيد للأطفال، ولنواصل في القراءة: 
صالة للثقافة
تسرح الغزالة
جنبها الزرافة
ركَ قمري طار

الشاعر يدعو في بداية قصيدته إلى ضرورة بناء الوطن، وتكلم عن ضرورة بناء المسارح والنوادي والمصانع ومكاتب البريد وتشييد الكباري والمستشفيات وصالات ونوادي ثقافية، وهذا كله مفهوم ومتسق تمامًا، ولكن ما علاقة الغزالة والزرافة هنا؟ هل يتكلم عن بناء أو إنشاء حدائق للحيوان مثلًا؟ وماذا عن جملة: ركَّ قمري طار؟ وكيف يمكن أن تفهم حركة القمري بين (الرك) الهبوط والطيران؛ لاسيما مع اضطرار الشاعر إلى حذف حرف (الواو) الذي كان من شأنه أن يشير إلى التعاقبية (ركَّ قمري وطار)؟ الحقيقة أن المعنى هنا مضلل جدًا، وليس بينه وبين ما قبله رابط موضوعي يمكن الاعتماد عليه؛ إلا في سياق النسق التبسيطي الساذج ذاته. ونرى التكرار يعود مرة أخرى في القصيدة:  
قيرة .. قيرة .. قيرة
نطَط الصغار
صفّق الترولي طمّن القطار
حلقت وحلقت حمامة المطار
كل طلقة بينا نحن تبقى وفرة
سمسماً وبفرة
سكراً وشاي 
تتروسايكلين
جاي .. وجاي .. وجاي
مافي حاجة ساي
كله عنده دِين كله عنده راى
بور وبورسودان بارا والجنينة
عبري  ولا واو
حاجة مش كويسة
كل زول براو
هي سودانا بكرة من سودانا ناو
تكتب انت تقرا
تعرف السياسة
في محل حراسة
حجرة الدراسة

أما عن عدم الاتساق اللغوي، فنجد أمثلة له في القصيدة السابقة كما في قوله (هي سودانا بكرة من سودانا ناو) والتي استخدم فيها كلمة (ناو) التي يقصد بها كلمة now الإنجليزية، ومن الواضح أنه اضطر إلى اللجوء إلى هذه الحيلة اللغوية تماشيًا مع ضرورات القافية والوزن الموسيقي، على أننا لو أعدنا قراءة الجملة، فإننا نجدها مفهومة في سياقها العام فقط، بينما لا معنى لها في سياقها الداخلي الخاص، لأن عبارة (سودانا بكرة من سودانا الآن) لا معنى لها على الإطلاق. ولكننا نفهم أن المعنى العام هو (سودانا بكرة أحسن من سودانا الآن) ولكن الشاعر أسقط تمامًا اسم التفضيل، وأصبحت الجملة مشوهة، وكأن أحدنا يقول: Hey, Our Sudan tomorrow than our Sudan now 

إنها كارثة لغوية تغافل عنها الشاعر، وتغافل عنها محبوه أيضًا. إلا أن عيوب عدم الاتساق اللغوي تمتد إلى أن تشمل جوانب أخرى مثل الاضطرار إلى إقحام كلمات وألفاظ فصحى في الشعر العامي، وذلك في مثله مثلًا: 
أبسط ما تتمنى: حمامة وطفل رضيع 
وعامل مصنع 
فول بالجبنة وحبة زيت 
تلك العمه وجلابيتك 

وكذلك قوله: 
هم في عيونها برق 
الما بحس ما بهم 
والخان همومه سرق
هذا المرتب تب
ما بسدها الفرقة

وهنالك أمثلة كثيرة على مثل هذا النسق الخليط من العامية والفصحى، ولكنه نسق لا يختص بمحجوب شريف وحده؛ بل ولم يكن هو أول من سن هذه السنة. إنه نسق مستشرٍ إلى درجة أن القارئ السوداني تصالح معه، وأصبح بالتقادم نسقًا مقبولًا بشكل عام! ولكننا نعرف أن الخطأ لا يمكن أن يكون صحيحًا بالتقادم، ولا بالاتفاق.
ما يهمني التأكيد عليه في الختام، هو أن محجوب شريف لم يكن سوى شاعر غنائي، وليس أكثر من ذلك، وهو في ذلك يحفظ مكانه بين الشعراء الغنائيين، ولكن ليس له مكان في لائحة الشعراء السودانيين، عندما يكون الحديث عن الأدب السوداني بشقيه النثري السردي والشعري. هذا الأمر لا يجب أن يُفهم على أنه تقليل من شأن محجوب شريف؛ فالشعر الغنائي هو جزء أصيل من الثقافة السودانية، والشعراء الغنائيون لهم مكانتهم المميزة في قلوب الجماهير ولاشك، ولكن فقط أقول هذا من باب وضع كل شيء في مكانه، بعيدًا عن التقديس والتضخيم.

إن النقد من شأنه أن يقوِّم صورة الأدب والثقافة في المجتمع، وعندما تكون صورة الأدب والثقافة لمجتمع ما فإن هذا من شأنه أن يرتقي بهذه الثقافة لتنافس بين قريناتها من الثقافات الأخرى؛ لاسيما وأننا نشهد عصر العولمة التي تتقاطع فيها الثقافات وتتلاقح بصورة مستمرة ودائمة. ولابد لنا من اللحاق بركب هذا العصر ومواكبة التطور بكل أشكاله وصوره، متجاوزين تلك المعوقات التي تحول دون ذلك. وفي اعتقدي الشخصي فإن هذه المهمة جديرة بالاحترام والاهتمام بعيدًا عن معوقات القداسة وأسطرة الرموز. 

وحتى نتمكن من نقد وتقييم تجربة محجوب شريف الشعرية، يجب أن يتم تقييمها في فئتها الغنائية، جنبًا إلى جنب مع أشعار حسين بازرعة، هاشم صديق، محمد بشير عتيق، محجوب سراج، سيف الدسوقي وغيرهم من نخبة شعراء الأغنية السودانية، فبين هؤلاء يمكن تقييم تجربة محجوب شريف الشعرية، لنستطيع أن نحكم عليها بشكل موضوعي، بعيدًا عن حبنا الشخصي له ولمواقفه الإنسانية التي لا يكاد يختلف عليه أحد. هذه الخطوة تهتم فقط بإعادة تصنيف تجربة محجوب شريف باعتبارها تجربة غنائية وليست شعرية أدبية، وإلى هذا الحد فإنني أدعو النقاد الجادين إلى تقييم ونقد محجوب شريف داخل هذا الإطار الغنائي.



هذا المقال من كتاب (هرطقات في النقد الأدبي المعاصر) الصادر عن دار أوراق للطباعة والنشر .. جمهورية مصر العربية 2014

الجمعة، 24 أكتوبر، 2014

قراءة نقدية في قصة (العزلة) لصباح السنهوري

    قصة (العزلة) للكاتبة صباح بابكر إبراهيم سنهوري، تتناول قصة شاب استيقظ ذات يوم ليجد نفسه وحيداً في مكان غريب، ظلّ يبحث عن أحياء في القرية فلم يجد. موضوع الاستئناس بالغير، بصرف النظر عن كينونة هذا الغير كانت الثيمة الأكثر وضوحاً في النص. اعتمدت الكاتب في قصتها على أسلوب السرد المتسلسل زمانياً، مستخدمة ضمير المتكلم (أنا) والذي أفاد كثيراً لاسيما في نهايات القصة. 

    اكتسبت القصة رونقها الحقيقي (كما أرى) في نهايتها؛ ولابد أنّ الكاتبة تعرف تماماً ما تعنيه حداثة الأجناس الأدبية. فالنص تمت معالجته بسريالية، بحيث عنى انقسام الذات إحدى الحلول المتفرّدة للبطل في اكتساب الآخر الذي هو نفسه. كانت تلك فكرة عبقرية، وتظهر عبقرية الفكرة أكثر في عدم توافق هذه الذات مع الذات المنقسمة أو المتخيّلة، مما يعني أن البطل يُعاني من عدم تصالح مع نفسه. 

    إحدى أهم الحوارات الداخلية الموجودة في النص يتمثل في الحوار بين الذات والذات الأخرى، وتحديداً تلك الجملة التي تقول: " ولكنك تخليت بالفعل عندما أوجدتنى، لذا لا أظن أنه من الصعب عليك التخلى عن الطاولة هى جزء منى، أمى وأبى وأهلى والبقية.الطاولة أنا. أنت لست سوي وهو، لست سوي صورتى المنعكسة من على زجاجات الخمر المعتق". لتُعطينا صورة للطاولة الرمز حيث هي الانتماء من ناحية والأنا الأصيلة من ناحية أخرى. 

    وللبحث في حميمية هذه العلاقة بين الذات وبين رمزية الطاولة، قد نلجأ إلى التكهّن ببعض التعابير المشتقة من النص نفسه. فالطاولة هي أولى الأشياء التي تعرّف إليها البطل منذ لحظة استفاقته، وهي "الكائن" الوحيد الذي احتواه في تلك الغربة بكل أبعادها "أضلاعها" الأربع. 

    نجحت الكاتبة في تلبّس الحالة الوجدانية (الاغتراب) لدى البطل، ونقله إلى القارئ عبر تقنية التأكيدات اللفظية من قبيل: "الجو حار، حار جداً وخانق" التي تكررت في النص، وكذلك: " أنا الان كائن أخضر، صغير، حقير ، تافه لزج، بدائي، وحيد الخلية. لدى عينان كبيرتان هلاميتان مقززتان أحملق بهما يمنة ويسرى دوت أن التفت. أغمضهما تارة، وأفتحهما أخرى، بترتيب منتظم". التي تكررت –كذلك- داخل النص. كما أن استخدامها لتعبير غياب اللغة كان له تأثير فني عميق في تضخيم حالة الاغتراب هذه. 

    ظلّ البطل يبحث عن "كائن" يكسر وحشة الغربة التي يشعر بها؛ ولكنه لم يعلم إلاّ مؤخراً أن ما كان يشعر به ما هو إلا شعور بالاغتراب وليس الوحدة، وبالتالي فإنني أرى أن الكاتبة لم تكن موفقة إلى حد بعيد في استخدام "عزلة" كعنوان لهذه القصة؛ إذ أن "اغتراب" كان من الممكن أن يكون أقرب العناوين مطابقة لروح النص وفكرته الأساسية. 

    من الأشياء التي ولّدت داخلي مجموعة من التساؤلات هو احتفاء الكاتبة بالتفاصيل في غير ما حاجة إليها كإغراقها في وصف الصالة: عدد الأبواب والنوافذ، عدد الأضلاع ووضعية النوافذ والأبواب من هذه الأضلاع إذ لم أر أن هذه الوصوفات قد خدمت النص في شيء على الإطلاق. كذلك الحديث عن الصندوق الذي يحتوي قنينة الخمر، واللبس الذي وقعت فيه الكاتبة إذ تبدأ حديثها بالقول: 

    • والآن ترى أين وضعت الصندوق؟!. إنه بالخارج حتماً

    ثم تعود مرّة أخرى لتقول: 
    • هاهو الصندوق قابع بالقرب من الباب، لست أدري من اين اتى، كل الذى أعلمه أنه، منذ أن بدأت الملم أطرافى، رأيت هذا الصندوق. 

    إذن فالصندوق لم يكن بالخارج، كما أن سؤال البطل عن الصندوق في الجملة الأولى، يُوحي بأنه كان على علم بأمر الصندوق من قبل، وعليه فإن جملة مثل "لست أدري من أين أتى" تُدخل القارئ في لبس وإرباك من غير داع يُذكر. وإذا كان البطل يتساءل في الجملة الأولى عن المكان الذي وضعَ فيه الصندوق، فهذا ينسف جملته التالية التي تقول: "كل الذي أعلمه أنه منذ أن بدأت ألملم أطرافي رأيت الصندوق" فإذا كان قد رأى الصندوق منذ استفاقته؛ فلماذا السؤال؟ وما الحوجة إلى هذه الأسطر على العموم؟ 

    في إحدى مقاطع النص فوّتت الكاتبة استخدام تقنية التضاؤل، الذي استخدمته بصورة عشوائية غير مرتبة إذ تقول:
    • وحدى أنا فى الصالة، وحدى أنا على الطاولة، وحدى أنا فى البلدة، وحدى أنا من لا يشتهيه الموت. 
    وكان من الأفضل والأجمل فنياً أن تقول: 
    • وحدة أنا في البلدة، وحدة أن في الصالة، وحدي أنا على الطاولة، وحدي أنا من لا يشتهيه الموت. 

    هذا الترتيب التضاؤلي كان من شأنه أن يطفي لمسة جمالية على الجملة، ويشي –في ذات الوقت- بجو الاغتراب الذي يعني الغرق إلى الداخل وهو ما يوحي به الجو العام في النص. 

    أكثر الأشياء التي لفتت انتباهي في القصة، احتواؤها على أخطاء نحوية وإملائية كثيرة جداً، وقبل أن أقف على بعض هذه الأخطاء يجب علينا أن نتساءل عن اشتراطات لجنة التحكيم المسئولة عن "مسابقة الطيب صالح للقصة القصيرة" ومدى التزامها بسلامة النصوص من الأخطاء ومقاربتها إلى الصحّة؛ إذ تكون هذه الأخطاء في كثير من المسابقات المماثلة سبباً في استبعاد العديد من النصوص التي لا تلتزم بسلامة اللغة من الأخطاء من هذا النوع. 

    الأخطاء النحوية: 
    الخطأ: " فى الضلعان القصيران توجد نافذتان بحيث يكون الباب بينهما" 
    الصواب: "في الضلعين القصيرين توجد نافذتان بحيث يكون الباب بينهما" 

    الخطأ: "وفى الضلعان الطويلان توجد نافذتان يسار الباب واثنتان عن يمينه" 
    الصواب: "وفي الضلعين الطويلين نوجد نافذتان يسار الباب .." 

    الخطأ: " لم يعد هذا الخمر يجدى نفعاًَ"
    الصواب: "لم تعد هذه الخمر تجدي نفعاً" 

    الخطأ: " أتمنى الآن أن يظهر أمامى كائن من كان، إنساناً حيواناً سواء كان ذلك الحيوان مستأنساً أو خطراً"
    الصواب: "أتمنى الآن أن يظهر أمامي كائن من كان: إنسانٌ أو حيوانُ ..." 

    الخطأ: "دخلت إلى أحد المنازل" 
    الصواب: "دخلتُ إحدى المنازل" 

    الخطأ: " ما هذا الشئ هناك" 
    الصواب: "ما ذلك الشيء هناك" 

    الخطأ: " ليتهم يصفونى بالجنون" 
    الصواب: ليتهم يصفونني بالجنون" 

    الخطأ: "تلك النملة النحيلة، والتى تمتلك حاسة الشم الأقوى فى مملكتهم"
    الصواب: "تلك النملة النحيلة التي تمتلك حاسة الشم الأقوى في مملكتها" 

    جمل غير مفهومة: 
    " البلدة خالية تماماً، إلا من صوت أفكارى الشاردة منى حتى الغصب" 
    " سأنادى بأعلى صوتى على بعضهم يستيقظ" 
    " يكفينى أن أقول(علة) يستيقيظ حسن سأنادى" 
    " هل هذا أننى أخاف من أن يسمع أسرارى أحد؟" 
    " لو كنت تذكرت أن الناس تتجمهر، لتنصَّت إلى من يُحدِّث نفسه ليتناقلوا حديثه فيما بينهم، لتحديث بك لغات الكون وبأعلى درجة أملكها من الصوت" 
    " أخذت العسل وخرجت به إلى الطريق إنها مُحَكَمَة القفل" الضمير "ها" في "إنها" عائد إلى اسم متقدم يظهر في الجملة التالية وهي "العلبة" ولا يجوز استخدام الضمير دون وجود ما يعود عليه قبله. 
    " جيد، هذه الرقعة تكفى. أنتهى العسل" أية رقعة؟ 

    تغاضيت فيما سبق عن الأخطاء الإملائية المتوفرة بكثرة في النص، وكذلك الأخطاء القرائية الناجمة عن سوء استخدام أو إهمال علامات الترقيم بشكل جيّد. وأتمنى من لجنة التحكيم إعادة النظر في شرط سلامة اللغة لأن هذا الشرط هام جداً فيما يتعلق بالكتابة الإبداعية والأدبية بشكل خاص، كما أتمنى من الكاتبة أن تعتاد مراجعة نصوصها قبل نشرها فهذا جزء من إجادة العمل؛ كما أنّ سلامة اللغة جزء لا يتجزأ من جمالية النص الأدبي. 

اشتر نسختك الآن

+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( السيّدة الأولى ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( أرض الميـّت ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( بـتـروفـوبـيــــا) من هــنــــــــــا