08 يونيو, 2011

قراءة نقدية في رواية قونقليز

محاولات على تخوم النقد 

بقلم: الطيب عبد السلام حاج علي
جريدة الأحداث: الأحد 5 يوينه 2011

"قونقليز" هو الاسم الذي اختاره الكاتب هشام آدم عنواناً رمزياً لروايته الفائزة بجائزة الطيب صالح في الرواية مناصفة مع رواية "فركة" للكاتب طه جعفر. تصطادك الرواية منذ غلافها وصورة التداعي والتهاوي الخارجي لما يفترض أنه بطل الرواية، ويحيلك الإهداء بذكاء إلى اللوحة الخارجية على الغلاف، والتي أظن بأنها أولى فصول الرواية غير المكتوبة في كلياتها الرؤيوية لا خصوصياتها النصيّة. ومما لاشك فيه أن أولى عتبات أي كتاب هي غلافه، لأنه يعطينا دلالة ربما تكون خفية وربما تكون واضحة عن مضمون الكتاب ورسالته. وحنكة الكتاب لاشك لا تتوقف فقط في ظني على سرديته، بل على قدرته على اختيار المظهر الخارجي المناسب ليخاطب البصر أولاً لأن البصر جزء لا يتجزأ في عملية التلقي للنص السردي والذي هو بالضرورة كما قال الأستاذ سيف اللعوتة "متكوّن من جزئيات بصرية صورية" من هنا أخلص إلى أن لوحة الغلاف قد مهدت تمهيداً جيداً لتهيئة المتلقي لطبيعة النص الذي سيخوض غماره. وسألقي ضوءاً جزافياً بسيطاً تلخيصاً للرواية ثم أبدأ في عملية تحليل النص معتمداً على معرفتي الذوقية الشخصية.

النص ببساطة يحكي عن فكرة وجود عالمين للبطل: عالمه التصوري الداخلي له والذي يؤمن به، والعالم الخارجي الذي يراه الآخر عبره، وهي تبدأ بعودة البطل "شرف الدين" مما يُرى أنه مقر عمله للتعزية في والدته في العيكورة والتقاؤه بصديقه الصامت "حسن البلولة" ولقاؤه بحبيبته القديمة "وقية عبد الباسط" ورحلاته الشاسعة في عالم ذكرياته الداخلية والتي ارتبطت جوهرياً بحادثة تواجده في معرض تشكيلي بكلية الفنون الجميلة وأن يجد نفسه وسط مظاهرة حاشدة لطلاب الكلية ومن ثم عملية تعرضه للاعتقال وأخيراً نكتشف عن رؤيته الداخلية عن العالم ما هي إلا محض وهم لا صحة له، حيث نكتشف في النهاية أن الشركة التي يفترض أنه يعمل بها ما هي إلا مستشفى التيجاني الماحي، وأن وقية عبد الباسط تزوجت منذ خمسة أعوام لأنها رفضت فكرته حول عدم الإنجاب وأنه لا وجود لحسن البلولة مطلقاً. هذه بإيجاز أهم مجريات الرواية.
مما لاشك فيه أن الرواية فتحت فكرة "الأنا والآخر" على مصراعيها وأهالت من جديد فكرة "مؤامرة الحواس" ومبدأ الشك الديكارتي لكن بصورة أخف وطأة. أحالتنا خاتمة الرواية إلى أسئلة ملحمية أخرى فاجأت بها مخليلاتنا وأذكت نيران انهماكها بالشخوص، فالكاتب لا يريد إفلات قارئيه حتى عند العتبات النهائية ليعيد التفكير مجدداً في كل ما قرأ. هذا الأسلوب أجده صارخاً جداً في روايات أجاثا كريستي البوليسية التي لا زلت أدين لها بفضل البدايات. 

على العموم أظن أن الرواية انبنت على ثيمة فلسفية مسبقة وهي مؤثرة جداً وتعتبر من ثميات الحداثة وما بهد الحداثة أيضاً وهي ثيمة الأنا والآخر، وبصورة استقرائية "ما أعيه أنا تجاهي وتجاه الآخر، وما يعيه الآخر تجاهي وتجاه وعي به". كذلك الكتابة عن حالات الوعي الداخلي المتفردة الشاذة عن قوانين الوعي الجماعي للذات تعتبر أصعبها وأكثرها تكلفة فكرية في أنواع الكتابة لأنها تتطلب درجة عالية من حالات التقمص والخروج من حالة الوعي الطبيعية إلى حالات وعي غير طبيعية مع معرفة دقيقة بدقائق تلك الحالات المثبتة في المعمل. ولا أجانب الجقيقة جينما أقول بأن الأستاذ مأمون التلب هو من أنجح الكتاب الذين قرأت لهم في كتابات التقمص بحيث يتوغل إلى صميم حالته المتقمصة وبالذات في نصه "حالة وجود" الفائزة بالجائزة التقديرية في مسابقة الطيب صالح في القصة. 

كذلك اللغة عند هشام لغة متقدمة ومتمردة وأزعم أنها تحمل طقساً داخلياً دافيئاً مدهشاً في بعض إحالاته. كما أن اللغة عنده تستدرجنا استدراجاً خفياً وقوياً لإكمال كتابته أي أنه من الصعب أن تفلتك، بل إنها لغة "سواقة" وجزلة وبسيطة وعميقة في آن. كذلك طرحت الرواية جملة من الرؤى الوجودية للبطل والذي أزعم أنه لا ينفك أبداً عن الكاتب حيث يصارحنا عاصماً بطله من قيود المسألة القانونية إلى رمزية "الجب والله" في صفحة (48) كذلك يعيدنا الكاتب مرة أخرى إلى فكرة "النص البصري" وارتباطه بالنص السردي حيث يتناول على لسان بطله "شرف الدين" حزمة من الرؤى النقدية للوحة سلفادور دالي المتحدثة عن انصهار الساعة وذوبانها، واعتراضه على توقيتها في الساعة الثانية عشرة، واعتقاده بأنه كان يجب عليه استخدام الضوء في تعبيره عن الزمن. وبحكم أن بطل القصة "شرف الدين" لديه معرفة غريزية عن التشكيل والنحت وكيف أنه انشده بمنحوتة رجل في حالة تداع داخلي هي ذاتها اللوحة التي كانت على صدر الغلاف. 

على الرغم من كل هذا الزخم الفلسفي والرؤيوي في الرواية إلا أنني أخذت عليها مجموعة من المآخذ الخاصة من وجهة نظري، وهي ان الرواية لا تحوي كل تلك الأبعاد من الأحداث والتفاعلات المحمومة التي هي في ظني من سمات الرواية التي دائماً ما تكون حبلى بالأحداث. ففي هذه الرواية يمكننا القبض بسهولة على أحداث جوهرية وأحداث ثانيوية مرتبطة بها بسهولة شديدة. وهي أيضاً ليست مليئة بالشخصيات المؤثرة والفعالة والتقاط أحداث مفتاحية يدور حولها السياقان الرؤيويان "الذاتي والآخر": وفاة الوالدة – وجوده بالمعرض – انشداهته بالمنحوتة – المظاهرات – عملية التعذيب التي انتهك فيها شرف الدين جسدياً وأخلاقياً وفي ظني أن بقية الأحداث شكلت تفاصيل هذه الأحداث المحورية. كما أن عنصر المباغتة والمفاجأة فيها ضعيف كذلك تكنيك الحكي الانسيابي هو من الأمور العادية في الرواية. كما أن عملية الإدهاش والصدم فيها ليست بذلك القوة. 

يمكنني القول وبثقة مبدئية إنها "قصة ترهلت" ومن يدري فقد تكون هذه الطريقة في تخفيف الأحداث والتماهي مع الرؤية التفسرية الانفعالية الداخلية لها قد تكون من سمات الروايات الجديدة ومن تكنيكات الحدث الجديدة في الرواية والتي تقودني طوعاً وكرهاً إلى تقييمي لـ(الحب في زمن الكوليرا) من حيث فقر الأحداث وروتينيتها، وكيف أنها كانت ستكون أنجح لو كانت قصة قصيرة. ولربما تتحول اللغة السردية في حد ذاتها إلى غاية، كما قال حافظ خير في كتاباته في "سودانيزأولاين" الرواية وكما قال الأستاذ عز الدين ميرغني: "إنها تنتمي لتيار الوعي" وأعتبرها أنا من إنجازات الحداثة في السودان. وللأسف قل ما تجد به روايات ناضجة كثيرة وفق ما يردنا من مطبوعات، ولذلك أجدني أضع هذه الرواية في سلسلة الروايات الناضجة لمطبوعات عبد الكريم ميرغني (ذاكرة شريرة)، (أحوال المحارب القديم)، (مشروع إبراهيم الأسمر الروائي)، (الجنقر مسامير الأرض)، (فركة) ... إلخ. أختم محاولتي النقدية هذه بالقول إن رواية "قونقليز" جديرة جداً بالقراءة لكل الكتاب خصوصاً والمهتمين عموماً.

عسس النصوص

بقلم: هشام آدم – 16 أبريل 2011
عندما نتكلم عن مصادرة الكُتب والمنشورات، فإننا نعيد عجلة التاريخ إلى الوراء؛ حيث عصور الظلام والتخلّف التي عانت منها أوروبا لقرون طويلة، وكانت سببًا في تراجعها الفكري والحضاري، في الوقت الذي كانت فيه الحضارة العربية تعيش أوج انتعاشها، مستفيدةً من المد الجغرافي الذي وفرته الإمبرالية الإسلامية، والانفتاح على الآخر والتقاطع مع حضارات وثقافات ومعارف أخرى جديدة، ونشاط حركة الترجمة والاهتمام بالكتاب والتأليف، دون التركيز على جانب معرفي أُحادي بعينه، فرأينا كيف انكب العرب على كتب الفلسفة اليونانية والهندية والصينية، وراحوا يترجمونها إلى العربية، لتنفتح لهم بذلك آفاق واسعة من المعرفة التي أدت إلى دعم واستقرار المشروع الحضاري العربي في ذلك الوقت؛ لاسيما أن حركات الانفتاح والترجمة والتأليف كانت برعاية مباشرة من رأس الدولة، وباهتمام متفرّد منها. في ذلك الوقت، كانت أوروبا تتبع منهجًا معرفيًا أُحاديًا يقتصر على ما يتوافق مع آراء الكنيسة، ويُعضّد أفكارها وتوجهاتها، وتفرض منهجها ذلك على الكُتاب والمفكرين والمُبدعين، وتقوم بمصادرة ما لا يتوافق مع هذا المنهج وهذه التوجهات، وبذلك ظلت قابعة، لعقود طويلة، تحت ظل التاريخ وخلف حركتها المُتسارعة، قامعةً بذلك حركات التحرر والانفتاح التي كانت تحاول الخروج بين الفينة والأخرى، وتتعرض لها بالمُصادرة والحرق، حتى أن سطوة الكنيسة كانت تطال المُبدعين أنفسهم؛ تارةً بالقتل، وتارةً بالنفي, وتارةً بالحبس.

إنه لمن المستغرب، بل والمُستهجن، أن نعود القهقري في عصر الفضائيات والإنترنت؛ عصرٍ يتسم بالانفتاح وتدفق المعلومات وتوفرها على بُعد نقرة في لوحة المفاتيح، أو ضغة زر على جهاز التحكّم عن بُعد، لنعود إلى مُصادرة الكُتب والمُنشورات، لأن ذلك يعني مُصادرة الأفكار والآراء، وهو ما لا يُمكن القبول به أو تصديقه حتى. وعند هذا الحد فإننا نكون أمام مواجهة مُباشرة مع السؤال التالي: "لماذا تتم مُصادرة الكُتب؟ وبأي معيار يتم ذلك؟" وربما تكون إجابة السؤال الثاني مختفية خلف إجابة السؤال الأول، فالمعيار الوحيد الذي تتم به مصادرة كتاب هو، بالضرورة، السبب الذي دعى إلى مُصادرته؛ وعندها يتولّد سؤال آخر: "هل يخضع الإبداع الإنساني إلى معيارٍ ما؟"

إن رفضنا لفكرة مصادرة كتابٍ ما، ناشئ في أساسه من إيماننا الكامل والعميق بحرية التعبير والرأي، كواحدة من الحريات الأساسية التي تناولها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك اعتقادنا الراسخ بأنه لا يُمكن، بأي حالٍ من الأحوال، مصادرة الأفكار والآراء، ناهيكَ عن مُصادرة رواية أدبية، عندها نعلم تمامًا أننا أمام ردة فكرية من ذلك النوع الذي يُعبّر عن هوس السُلطة وعدائها التاريخي، أو ربما الأزلي، مع الثقافة والمُثقفين، وتلك جدلية تناولها إدوار سعيد وعدد لا بأس به من المُفكرين، وأعني بذلك علاقة المثقف بالسُلطة، وهي واحدة من إشكالياتنا الحقيقية في سبيل خلق واقع إبداعي حُر ومُعافى.

لقد تعرّضت رواية "فركة" للروائي السوداني طه جعفر الخليفة للمُصادرة من قِبل لجنة المُصنفات، ولم تكن تلك أول مُصادرة تتعرض لها رواية سودانية حائزة على جائزة ذات صيت واحترام داخل السودان، وأعني بذلك جائزة الطيّب صالح للإبداع الروائي؛ إذ سبق للجنة أن صادرت رواية "الجنقو .. مسامير الأرض" للروائي عبد العزيز بركة ساكن، الحائزة أيضًا على ذات الجائزة في دروتها السابعة 2008 – 2009 الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مصداقية المعايير التي تتعامل بها لجنة المُصنفات، والقلق الذي يراودها من مثل هذه النصوص الإبداعية. وذلك يجعلنا نتساءل بكل براءة: "هل تُشكّل النصوص الإبداعية الأدبية أيّ تهديد للسُلطة فعلًا؟" قد يبدو هذا السؤال ساذجًا للوهلة الأولى، ولكننا عندما نعرف أن السُلطة حرصت على دعم وتبني مشروع (جائزة الطيّب صالح للإبداعي الكتابي) الذي ترعاه شركة زين للاتصالات، فإنه بإمكاننا أن نفهم توجه السُلطة نحو تحييد مشروع جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي الذي يرعاه مركز عبد الكريم ميرغني، وهو ما يعني دخول السُلطة في مُنافسة لاحتكار العمل الثقافي والإبداعي، وفق شروطها ومعاييرها والتي، بالضرورة، لا تتصل بوظيفة الفن والإبداع على الإطلاق.

في تصوّري الشخصي فإن السُلطة تحاول ترويض العمل الإبداعي عبر استخدام قنواتٍ، كلجنة المُصنفات، وعبر تبني مشاريع جوائز ومسابقات أدبية، للحيلولة دون استقلالية الأعمال الإبداعية، وهي بذلك تحاول اصطياد عصفورين بحجر واحد، فهي من ناحية تضع ترسانة معاييرها الخاصة وغير الموضوعية في تقييم الأعمال التي لا تنتمي إليها سلطويًا أو تنظيميًا أو حتى أيديولوجيًا، ولا تدعم توجهاتها أو حتى لا تتوافق مع نهجها، ومن ناحية أخرى فإنها تحاول أن تبدو بمظهر الداعم للبرامج الثقافية والأدبية والراعي لها، وهو مُؤشر خطير لو تنبه إليه الحادبون على أمر الثقافة والإبداع في السودان؛ لاسيما في ظل انعدام جهات مستقلة يُمكن اللجوء والاحتكام إليها، أو ترهل وظائفها عن طريق سحب الصلاحيات منها، لتكون بذلك مُجرّد مُنشآت لا قيمة حقيقية أو فاعلة لها، كاتحاد الكُتاب السودانيين، واتحاد الناشرين السودانيين.

إننا أمام أدلجة للأعمال الأدبية، أو على أقل التقديرات، الحيلولة دون نشر الأفكار المخالفة لأيديولوجية السُلطة، وهو أمر خطير للغاية، لأنه يعني أنه لا يُمكن لأيّ صوتٍ، خلاف صوت السُلطة وأيديولوجيتها، أن يعلو ويظهر، وهو ما يتنافى مع النسق الديموقراطي، ويهدم أساس التعددية الفكرية والسياسية، ولابد للأحزاب السياسية التدخل بصورة مُباشرة لمنع هذا التغوّل، لاسيما إذا عرفنا أن منظمات المجتمع المدني والهيئات الأهلية الأخرى ليس لها قدرة حقيقية على خوض مواجهة مع السُلطة. هذا أو فإننا سوف نشهد واقعًا أدبيًا مشوهًا، سنكون مسئولين عنه مسئولية تاريخية، والتاريخ لا يرحم أحدًا.

نشر في جريدة أجراس الحرية

التربية الديمقراطية وأدب الاستقالات

دائمًا، وكغيرنا من الفاشلين، نحاول أن نضع العربة أمام الخيل وليس العكس، ولهذا فنحن فاشلون ومتأخرون عن غيرنا من الأمم المتقدمة. وفي كثير من أفكارنا الشفاهية اليومية -التي أسماها "مهدي عامل" بالفكر اليومي في كتابه العبقري "نقد الفكر اليومي"- نتناول عيوبنا المتجذرة فينا دون أن نبدي ولو محاولة بسيطة أو حتى يائسة لتغييرها. في إحدى المراكب العامة تناول أحدهم أخطاء سائقي المركبات العامة، وكيف أنهم لا يبدون أبسط مبادئ الأتكيت والذوق العام في إعطاء الأولوية المرورية للغير أو حتى احترام حقوق المُشاة، وقال في خاتمة تعليقه النقدي بصيغة ساخرة وناقمة: "ولهذا فنحن لن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام" وكثيرًا ما نسمع مثل هذه التعليقات في الشارع السوداني، والسؤال الحقيقي الذي يطفو في مثل هذه المواقف: "هل كان هذا الناقد ليتصرّف كما يُملي عليه ضميره الأخلاقي لو وُضع في ذات الموقف، أم كان ليتنصل من موقفه النقدي ويتشبث بأدبيات الأنامالية المستشرية في ثقافتنا اليومية؟" هذا المثال البسيط قد يكبر حتى يُصبح نموذجًا لواقعنا الحياتي، ومُعبّرًا عنه بكل صدق، فنحن لا نتملك أدوات الوعي السلوكي بالقدر الذي نمتلك معه أدوات الوعي النقدي، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على غياب الوعي الفلسفي في ثقافاتنا السلوكية اليومية، وهو ما يتمظهر، لاحقًا، في شكل سلوكيات خاطئة وقابلة للنقد؛ بل ومستهجنة ومُعبّرًا عن حجم الكارثة التي نعيشها ونتعاطى معها بشكل يومي تقريبًا، ولهذا فإننا شعب ناقد ومُنظّر بالدرجة الأولى، فجميعنا نفهم السياسة ونفتي حولها بذات القدر الذي نفتي فيه حول كرة القدم، وعلوم الطيران، والفيزياء التطبيقية، والطب والصحة العامة، والآداب والفنون، ولكننا، في ذات الوقت، نقع بغباء في ذات الأخطاء التي ننتقدها في الآخرين.

واحدة من أهم مشكلاتنا الأساسية، حسبما أرى، أننا لا نؤمن بما نعتقد به؛ كما أننا لا نحترم ما نؤمن به من قناعات وأفكار، وهذا ما يُوقعنا في تناقضات سلوكية ومبادئية، وهو ما يبدو لنا جليًا في طريقتنا في إدارة صراعاتنا الحياتية الاعتيادية، حتى في أبسط المشكلات التي تواجهنا؛ سواء في البيت أو في الشارع أو حتى على مستوى الممارسة السياسية أو فيما هو أدنى من ذلك أو أكبر؛ فالرجل الذي يُنادي بحقوق المرأة ويُصارع من أجل رفع الظلم والاضطهاد والتمييز المجتمعي عنها، هو أول من يقف وراء قهرها وقمعها في بيته، بشكل يُظهر تسلّطه الذكوري في تعامله مع زوجته أو أخته، مستندًا في ذلك على سُلطة ذكورية منحته السيطرة على أفكارها وسلوكها، وحتى قراراتها إن لزم الأمر، ولهذا فإن مجتمعنا يعج بالتناقضات المبادئية التي ترمي بظلالها، آخر الأمر، على سلوكنا وقناعاتنا وحتى أفكارنا العامة والقيمية، وقد يبدو ذلك جليًا في موقف المرأة السودانية من قضايا المرأة داخل السودان وموقف الرجل منها، فكثيرون هم من يبرزون في المجتمع كنشطاء في حقوقها، ولكنهم داخل بيوتهم لا يُجسّدون إلا الثيمة الاجتماعية التي تجعل منهم أشباه آلهات أمام نسائهم، وسؤال من شاكلة: "هل ترضى أن تفعل أختك كذا وكذا؟" أو "هل ترضى أن يُفعل بزوجتك كذا أو كذا؟" يضعنا في محك حقي أمام قناعاتنا التي ننادي ونتحلى بها ظاهريًا، وتجلعنا أمام سؤال مبادئي لا مفر منه: "هل نحن نؤمن بالقضايا أم نحترمها؟" والفارق بين الاعتقاد والاحترام جوهري وواضح لدرجة مُخجلة لمن لا مبدأ له.

وعلى مستوى حياتنا السياسية؛ فإننا نلمح أثر هذا التناقض جليًا وواضحًا، بحيث أننا لا نعود نملك صلاحية نقده أو ملاحظته؛ لأنه، بكل بساطة، قد أصبح جزءًا من تركيبتنا النفسية والاجتماعية، فنحن قد لا نعيب على الشخص اختلال معاييره الأخلاقية في موقفين متشابهين بدعوى الفارق بين "العام" و "الخاص" وهو ما يتلخص في مدى قربنا أو بعدنا عن المفهوم الفلسفي للخير والشر، أو حتى فهمنا الخاص للأخلاقي واللاأخلاقي، وكلاهما ينبع من ذات المصدر، فمن يدعو إلى حرية المرأة في جسدها ينطلق في ذلك من موقفه العام من المرأة وحرياتها، بينما قد لا يتخذ ذات الموقف المؤيد عندما يتعلّق الأمر به هو شخصيًا، وهو ما يجعل عددًا لا بأس به من النساء يفقدن الثقة في وعي المثقفين، أو فلنقل "أشباه المثقفين"، أو لكي نكون أكثر دقة فلنقل "المثقفين الطارئين"، فهم في حقيقة الأمر ليسوا مثقفين حقيقيين، وإنما هم يتخذون من ثقافتهم سُلمًا يرتقون به نحو أهداف تخصهم، أو في أفضل الحالات، يُلمّعون به أنفسهم أمام زمرة يرغبون في الاختلاف والتمايز عنهم، فالثقافة الحقة هي التي تنسجم بوعي مع مجموعة الأفكار المبادئية وترتبها، لتتمظهر لنا، آخر الأمر، في شكل سلوك متسق ومتناغم مع ما نحمله من أفكار وآراء ومعتقدات.

وحين يُعبر زمرة من القادة السياسيين، السودانيين (بصرف النظر عن توجههم الفكري والأيديولوجي) عن رغبتهم الجادة والعميقة للوصول إلى الديمقراطية كهدف وغاية فإنهم لا يفعلون إلا كما يفعل واضع العربة أمام الخيل؛ لأنهم لا يعلمون أن الممارسة الديمقراطية ليست سوى أثر لوعي ديمقراطي أصيل وراسخ، يبدأ باحترامنا لمفهوم الديمقراطية في جوهرها، ومفهوم الاختلاف قبل كل شيء، وحين يتم تشوييه هذا المفهوم فإن القيمة الأساسية للديمقراطية لابد أن تكون مشوهة بالضرورة، فلا فائدة تُرجى من ديمقراطية لا يتم احترامها وتلقينها لتصبح سلوكًا يوميًا مُعتادًا، قبل أن يتم تطبيقه على مستوى الممارسة السياسية؛ تمامًا كالبسملة قبل الأكل، والتشميت بعد العطس، والتيمّن في كل شيء كما حرص آباؤنا وشيوخنا على تلقيننا ذلك منذ الطفولة، فالديمقراطية وعي اجتماعي قبل أن تكون ممارسة سياسية، وهنا يكمن مربط الفرس، وهو ما لا يُريد قادتنا السياسيون أن يفهموه أو أن يضعوه في اعتبارهم.

واحدة من المطالب الأساسية التي يجب تبنيها من قبل الناشطين السياسيين والحقوقين: استبدال ما يُعرف بمادة "التربية الوطنية" من المناهج الدراسية بمادة "التربية الديمقراطية" فالتربية الوطنية كمادة مدرسية لا تخلق لدى الفرد حساسية إيجابية تجاه وطنه إلا من الناحية الشخصية أو الخاصة، في الوقت الذي يجب فيه على المواطن أن ينظر إلى الوطن من الناحية العامة وليس العكس كما هو الحال الآن، فنحن لا نتعلّم حب الأوطان في المدراس، ولا نتلقن الانتماء إليه أو نكوّن عاطفتنا الوطنية خلف طاولات الدراسة، بل إنه شعور عام وجمعي نكتسبه بالممارسة اليومية والتفاعل الاجتماعي والسياسي المباشر، ولهذا فإننا نرى المسؤولين في دول العالم الأول يُقدمون على تقديم استقالاتهم في حال فشلهم في إدارة أعمالهم ومسؤولياتهم على الوجه الأكمل والسليم، انطلاقًا من مبدأ الوطن العام، وليس الوطن الشخصي، في الوقت الذي لا تحرك فيه الكوارث العِظام أجفان المسؤولين في عالمنا الثالث، لأنهم ببساطة ينظرون إلى الأمر من وجهة النظر الشخصية وليست العامة، فعندما يُصبح الوطن مفهومًا خاصًا، يُصبح العمل السياسي مُجرّد محاولات لحماية المصالح الشخصية، وعندها فقط لا تعود للمسؤولية المباشرة قيمة أخلاقية تذكر؛ فوزير المواصلات الذي لا يستشعر التقصير والمسؤولية عندما تتكرر الحوادث المرورية، نجده يُلقي اللائمة على من هم أقل منه رتبة، لأنه يرى أن منصب "وزير" ما هو إلا منصب تشريفي وليس تكليفي؛ وبالتالي فهو لا يستشعر أي مسؤولية على الإطلاق، ببساطة لأنه، ونحن كذلك، لم يتربْ، منذ البدء، على مبدأ تحمّل المسؤولية أو النظر إلى الأمور في إطارها العام، وليس الخاص فقط، يستوي في ذلك التقدّميون مع الرجعيين على حدّ سواء، لأن البذرة واحدة في الأساس، فالأمر هنا ليس سلوكًا إجرائيًا بقدر ما هو انعكاس لثقافة راسخة ومتجذرة، متناسقة مع مجموعة الأفكار القيمية والمبادئية التي يحملها المرء ويؤمن بها ويحترمها قبل كل شيء.

نحن إذًا أمام معضلة مُركبة؛ فنحن لا نحترم الديمقراطية لأننا لم نفهم أن الديمقراطية عقيدة قبل أن تكون سلوكًا وممارسة، ولم نفهم أنها سلوك وممارسة قبل أن تكون هدفًا سياسيًا استراتيجيًا، وأيّ دعوى للمناداة بالديمقراطية قبل تحقق شروطها واستحقاقاتها، يُصبح ضربًا من الاغتيال؛ إذ أننا بذلك إنما نحاول اغتيال مفهوم الديمقراطية، وتشوييهها قسرًا في أخيلة العامة، وحتى النخب، وهو ما جعل قطاعًا كبيرًا من الناس لا يؤمنون بالديمقراطية ولا يتشجعون لها، حيث أنهم لم يروا، في الواقع، إلا الصورة المشوّهة منها، وفي ذات الوقت فإننا لا نمتلك أدوات الوعي الكافية التي تجعلنا نفرّق بين ما هو عام وبين ما هو خاص، وهو أمر يرتبط، في المقام الأول، بمدى امتلاكنا للوعي الفلسفي الذي يُتيح لنا، ليس مجرّد التفريق بين العام والخاص فقط، وإنما القدرة على تصنيفهما التصنيف السليم، والالتزام باستحقاقات كل تصنيف على حدة.

الوطن ليس نزعة ذاتية خاضعة للتقييم والتقدير الشخصي والخاص، إنما هو مفهوم عام، يجب أن يتسق فيه الوعي مع السلوك والممارسة، ولا يُمكن أن يتم ذلك إلا من خلال تربية مؤسسة واكتساب مُباشر، لا يتخلله أيّ شائب يحمل عنصر التناقض والمفارقة. لابد أن نستشعر قيمة الديمقراطية كمفهوم عام وشخصي، حتى نتمكن من التفريق بين ما هو عام وبين ما هو شخصي، فلا يكفي أن نحمل أفكارًا ديمقراطية، إذا لم نكن نملك أدوات تطبيقها على أرض الواقع، أو حتى دون أن نملك إيمانًا عميقًا بالفكرة الديمقراطية نفسها، من حيث الجوهر العام وليس المصلحة الشخصية، فالديمقراطية قد تخدم المصالح الشخصية لفرد أو حزب أو جماعة ما أحيانًا. عندها فقط يُمكننا أن نتوقع أن يُقدم مسؤول ما على تقديم استقالته احترمًا للمسؤوليته التي حملها ولم يستطع أن يوفر أسباب نجاحها بكفاءة، دون أن يُلبس ذلك لبوسًا شخصيًا، لأن خدمة الوطن ليست أمرًا شخصيًا خاصًا؛ بل هي واجب لا تُؤخذ إلا في إطارها العام، ولكن دون ذلك فإنه سوف يتعاقب علينا أولئك الذين يرون الوطن جزءًا من فناء دارهم الخلفي، وأن ما يجري في ذلك الفناء أمر عائلي لا يحق لنا أن ننتقده أو أن نقدّم ملاحظاتنا عليه، أو حتى أن نطالب بمحاسبتهم على أمر اقترفوه أو أمر لم يقوموا به على الوجه الأكمل؛ هذا إن قاموا به أصلًا. وهكذا فقط سوف لن تقتصر ملاحظاتنا النقدية لمجريات حياتنا اليومية على مجرّد الكلام الإنشائي المجاني الذي لا يكون الغرض منه التغيير الفعلي للواقع السلبي، بل ستكون تمظهرًا لوعي أصيل، وإيمان راسخ بالجوهر الذي نفتقد إليه في كل ما نقوم به وما نفعله، وعندها سيكون تقديم استقالة المسؤول سلوكًا ثقافيًا وحضاريًا بدهيًا؛ تمامًا كخلع الحذاء قبل الدخول إلى دور العبادة.

المصدر: جريدة أجراس الحرية
الثلاثاء 31 مايو 2011




27 أبريل, 2011

القنقليز ... عبثية المكان وفوضى الزمان

بقلم: أحمد عبد الباري
أنا لست بناقد ولا فنان ولا أديب، فقط أنا قارئ "عادي" تستفزني الكتابات والأشعار الجميلة. اعترف بداية أن باعثي الأول لقراءة رواية "القنقليز" ومحاولة نقدها لاحقاً نقداً منهجياً بعيداً عن الانطباعية والذاتية، كان نابعاً من تخصيص كاتبها هشام آدم لقريتي "العيكورة" مكاناً ومسرحاً لشخوصها. وكان من الممكن أن لا أطلع على هذه الرواية أبداً لأن تتبع الحركة الإبداعية في السودان أصبح هواية تجاوزها زمان أهل السودان الذين طحنتهم كلاكل الأعوام وبرتهم طوارق الأيام وأصبح ترفاً فعلياً بالنسبة للكثيرين فالغالبية منا إما مهمومين بتوفير نصف احتياجات أسرهم المعيشية وإما أنهم في قطيعة مع هواية لا يدخل في حساباتها مصطلح مفهوم الربح والفائدة. لقد فقدت الحركة الإبداعية السودانية إذاً أحد أهم عناصرها وهو المتلقي الذي حذفته معطيات زماننا الصعب من المعادلة كلياً وأصبح المبدع يعزف وحيداً ألحاناً جنائزية في مسرح مظلم وصامت. كما أن مشكلة " الطبع" في السودان والتي يحلو لكثير من الكتاب إطلاق كلمة " النشر" عند الإشارة إليها تقف عائقاً أمام الكثير من المبدعين. أري أننا حتى ولو كنا لا نعاني من مشكلة "طبع" فإن مشكلة " النشر" بمعني الترويج والدعاية والنقد تظل مشكلة قائمة رغم أنها لا تحتاج إلى قدرات مالية كبيرة وحشد طاقات.
قرية العيكوة
تقع قرية العيكورة مسرح أبطال الرواية على الضفة الغربية للنيل الأزرق في منتصف الطريق بين مدينتي مدني والحصاحصيا. وهي قرية لا يُعلم تاريخ تأسيسها على وجه الدقة والتحديد إلا إن أكثر الأقوال ترجح قيامها منذ أيام السلطنة الزرقاء. وفي حقيقة الأمر نالت قرى الجزيرة خصوصاً تلك الواقعة على ضفتي النيل الأزرق من حدود ولاية الجزيرة الشمالية مع الخرطوم وحتى نهاية حدودها جنوباً مع ولاية سنار قسطاً وافراً من التعليم وشهدت نمواً اقتصادياً وثقافياً كبيراً ودينامية وحراكاً اجتماعياً ملحوظاً اسهم فيه بقدر كبير مشروع الجزيرة وشارع الخرطوم – مدني والمورث الثقافي الضخم لهذا الحوض الفكري الشاسع. في هذه القرى كما في قرى وسط السودان عموماً يمكن لأي شخص إن أراد تشكيل حـــــكومة " تكنوقراط" كاملة من أي قرية يشاء. هذه الحقيقية الأكيدة والماثلة جعلتني شخصياً مقتنعاً بأن التكوينات السكانية لوسط السودان وخصوصاً الجزيرة وصلت درجة من الوعي و النضج الاقتصادي، والسياسي و الثقافي، والفكري والديني، والوطني انصهرت فيه وذابت كل مشوهات التقدم والرقي مثل الجهوية والقبلية والاثنية التي تعاني منها أو تستصحبها في جميع تعاملاتها مع الآخر أجزاء أخرى كبيرة من السودان. ومثالية النضج هذه، جعلت الآخر يسعي إليهم سعياً، كما جعلتهم في غنى عن تقديم أنفسهم للآخر. هذا المخزون الثقافي الضخم رضع من روافد متعددة جعلت منه الكيان الأكثر قرباً لمعطيات الدولة السودانية الحديثة. كيان ذاب فيه كل شيء في بوتقة واحدة، لذا فلا غرو أن يكون سكان وسط السودان والجزيرة من أكثر المجموعات السكانية قبولاً للآخر وهضماً لثقافته والتفاعل معه.
رؤية الكاتب هاشم آدم لهذا الكيان السكاني الضخم
للكاتب هاشم آدم رؤية خاصة ونقد محدد تجاه المخزون الثقافي لوسط السودان والجزيرة على وجه الخصوص، وهي رؤية كانت- كما سوف نعرف لاحقاً- لها اسقاطاتها المتعددة على روايته " القنقليز" سواء على مستوى النص أو مكان وزمان الرواية (Setting)، رؤية إستعلائية ظلت تمارسها الانتلجنسيا الصفوية لشمال السودان والتي تقيم بالمركز "الخرطوم" على الكيانات السكانية الأخرى سواء على مستوى الوسط أو الهامش. دعونا من هذا التنظير وهاكم هذا الاقتباس لرأي هشام آدم عن المخزون الثقافي الناضج والضخم لوسط السودان وجزيرته الخضراء. هذا الرأي منشور لمن يريد الإطلاع على موقع سودانايل على الانترنت.
اقتباس: (ولكن أعني بذلك تلك الرؤية التغزلية التي يتعامل بها الأدباء السودانيون تجاه ثقافة سودانية جغرافية بعينها وهي ثقافة أهل البطانة والجزيرة على وجه التحديد، في محاولة منهم لإيهام القارئ السوداني والعربي أن الثقافة السودانية لم تنتج أنضج من هذه التجربة الثقافية المتفردة في لغتها ومفرداتها. فالمتتبع لنصوص الأدب السوداني وحتى على مستوى المسرح والدراما يجد التشدق والالتصاق الواضحين بهذه الثقافة والتي لا تعدو أن تكون واحدة من روافد الثقافة السودانية واسعة التعددية، وبالتالي لا يصح القول بتمثيلها لها.) أهــــ.
على خلفية هذا الرأي يجب أن نتساءل لماذا اختار الكاتب هشام آدم قرية العيكوة وهي تقع جغرافياً في قلب هذا الكيان الضخم، مسرحاً لشخوص روايته؟ وكيف أثر هذا الاختيار على دينامية شخوصه ومفرداتهم الخطابية وطرق عيشهم وتفاعلهم وأحزانهم وأفراحهم على خلفية تراثهم الثقافي الضخم ؟

هشام آدم
_ الميلاد، القاهرة عام 1974م
_ نشأ وتربى بالمملكة العربية السعودية
_ انتقل أواخر العام 1994م إلى بلده الأصلي السودان، حيث درس الآداب بجامعة الخرطوم وتخرج في العام 1998م.
لجنة التحكيم
كانت لجنة التحكيم لنيل جائزة الطيب صالح للرواية مكونة من السادة:
_ د. صفية نور الدين
_ أ- نبيل غالي
_ د. أحمد صادق
محاولة نقدية منهجية لرواية القنقليز
اختيار المكان الزمان أو الــــ- Setting- لأي نص إبداعي تحكمه عوامل عديدة تحددها نوعية النص، روائي مسرحي، سردي تاريخي ألخ... فإذا كانت الرواية خيالية- Fictional – فينبغي على الكاتب الالتزام بحقائق التاريخ والجغرافيا رغم خيالية شخوصه الذين يتحركون في إطار مكاني وزماني محدد اختاره الكاتب بمحض إرداته ليوصل فكرة محددة إلى المتلقي. لم يلتزم كاتبنا هنا بتصوير جغرافيا المكان تصويراً حقيقياً، بل كان تصويره بعيداً عن واقع المكان، كما كان بعيداً كل البعد عن حقائق الزمان. خذ مثلا: (ويحل الظلام أرجاء القرية التي لم تدخل الكهرباء أرجاء واسعة منها بعد) أهـــ. (الفصل 11) ، (فملامح القرية لم تتغير كثيراً. نفس البيوت الجالوصية الفقيرة، غيطان البرسيم والباذنجان البائسة، وحظائر الحمير والمواشي المبنية من الطين والمسقوفة من خشب السدر الهش وسعف النخيل اليابس، ونفس الأرض الترابية يتمدد عليها خط طويل متعرج ومنهوك، هو طريق مرور العربات الوحيد بالقرية) أهـــ (الفصل 14) وهكذا... فالأمثلة التي تدل على عدم الأمانة في نقل جغرافيا المكان نقلاً حقيقياً كثيرة ويصعب إيرادها كلها... تكمن خطورة عدم الأمانة في الوصف الحقيقي للمكان في أن الروايات تعتبر أحد أهم المصادر التاريخية التي يلجأ إليها الباحثون في تقييم حقبة ما، فإذا وضعنا في الاعتبار أن باحثاً ما جاء بعد عشر سنوات ينقب عن حال قرية العكيورة في "زمان" الرواية فسوف يحصل بلا شك على معلومات مغلوطة. خذ مثلاً، الدقة في الوصف التي اعتمدها الروائي تشالز دينكز في روايته (فصة مدينتين)، لباريس وسجن الباستيل، حيث جعل منه مزاراً يحرص كل من يزور باريس على زيارته، وخذ مثلاً، ارنست هيمنجواي الذي خلد مقاهي هافنا وحاناتها لدرجة جعلت الكثير من القراء يتوقون إلى تناول أقداح الجعة في تلك الحانات والمقاهي ليستصحبوا سحر أبطال وشخوص روايات هيمنجواي، وهذا الاستهلال البارع اصطلح على تسمتيه ب(عبقرية المكان). كما أن كاتبنا لم يلتزم هنا أيضاً بالحقائق التاريخية لتلك الفترة الزمنية التي ترجع إلى العام 1988م حسب استنباطنا لما ورد على لسان شخوص الرواية. حيث ذكر "اليأس رزقة" أن طلاقه من أكيج بائعة الخمر البلدية " العرقي" كان في العام 1991م، وحيث أن بطل الرواية شرف الدين كان قد غادر إلى الخرطوم دون أن يكون لـــــ (أكيج) أي زوج وإذا وضعنا في الاعتبار أن شرف الدين رجع من الخرطوم للعيكورة بعد تسع سنوات فهذا يعني أن أحداث الرواية تدور في العام 1988م أو العام 1987م أي قبل مجيء الانقاذ. ومن المعروف أن الهجرات والخروج الجماعي للجنوبيين بدأ بعد إعلان الانقاذ للحرب المقدسة والجهاد في أوائل تسعينيات القرن العشرين حيث بدأت هجراتهم الكثيفة في الانتشار داخل الشمال والوسط وخصوصاً ضفاف النيل الأزرق الغربية حيث أقاموا وشادوا حاناتهم ورواكبيهم كخليات نحل حيث كانوا يبيعون الوهم ويتشروا بثمنه الحليب. شهدت هذه الفترة خروجاً كبيرا لقبائل غرب السودان عموماً وبصفة خاصة قبائل الكبابيش وهي فترة أمحل فيها القوم واحتبس المطر. عليه نصل إلى محصلة مفادها أن الكاتب هشام آدم كان يبحث عن قرية تكون أماً بديلاً أو كياناً لقيطاً يحمل هم روايته، ولربما كان قد سمى قرية باسمها في شمال السودان إلا أنه عدل عن الفكرة خصوصاً أن هناك الكثير من العبارات التي وردت في الرواية تؤكد أنها كانت لقرية بشمال السودان عدل عنها الكاتب لأسباب نجهلها ربما يكون أقربها هو عدم اتهامه بالسير في طريق الطيب صالح ومحاكاته، إلا أن المفارقة تمكن في أن الطيب صالح نفسه بم يسم أي قرية في جميع رواياته، وحتى رواية " موسم الهجرة إلى الشمال" رمزت للمكان بالقول( على قرية عند منحنى النيل). خذ مثلا: (وقرر على الفور أن يشتري لها جوالين من البلح الجيد صباح الغد، قبل أن يتذكر أن موسم البلح قد انقضى منذ شهرين) (الفصل 21) فمن المعلوم أن ليس للبلح ثمة مواسم بوسط السودان ولا يدخل البلح في المتخيل الثقافي لاهل الوسط، كما يدخل القطن والقمح واللوبيا مثلاً، كما أن هناك الكثير من الدلالات التي تؤكد عدم قدرة ماعون قرية العيكورة الثقافي على احتمالها.... (مكوث شرف الدين تسع سنواات بالخرطوم)، وهي غربة طويلة جداً في ظل الموروث الثقافي الذي يحتم على أهل القرية الذين يعملون خارجها بالمشاركة الفعلية في كل المناسبات. وفي كل الدواوين الشعرية لشعراء الجزيرة لم نجد قصيدة واحدة مبنية على الحنين للأوطان كأشعار أهل شمال السودان إذ أن أهل الجزيرة ملتصقين بأرضهم التصاقاً حميماً يمنعهم من الإقامة الطويلة أو الدائمة بالعاصمة أو مدن السودان الأخرى. على مستوى النص عمد الكاتب إلى استخدام اللغة العربية الفصحى في مواقف كانت تستلزم منه استخدام لغة أهل الأرض وكمثال على ذلك:(الرفاش) وهو يعني في اللغة (أداة الحفر)، ويضرب بذلك المثل نحو قولهم: (من الرفش إلى العرش) أي التدرج الفجائي من مجرد عامل إلى ملك أو وزير أو أمير، وكان من الأجدر به أن يستخدم كلمة (الواسوق)، كما إنه استخدم كلمة (الغيطان) ويعني بها (الحواشات) والتي ربما تعكس مدى تأثره بثقافة الدلتا المصرية، وغيرها الكثير من العبارات التي تؤكد إخلاص الكاتب لمبدئه المتمثل في ضرورة عدم التشدق بعامية وسط السودان والبطانة كأداة للتعبير وتؤكد تأثره بالبئية المصرية وانفصاله عن واقع السودان بصفة عامة وهو انفصال لا يد له فيه إذ أنه عاش بعيدا عن وطنه الذي عاد إليه شاباً. لقد أثر اختيار العيكورة مسرحاً للرواية سلباً على نسيج (الحكي) الذي من المفترض أن يقوم على النمط الثقافي لأهل القرية، إذ لا يعقل أن ينزو "شرف الدين" على محبوبته "وقية" كما ينزو التيس على معزته، ويجامعها على مقربة من بيت أخواته البنات وفي اليوم الأول من وفاة أمه. هذا التصرف رغم "خياليته" يعتبر بعيداً كل البعد عن مورثات أهل الجزيرة.
مزالق الفصحي
كما أسلفنا فقد أخلص الكاتب لمبدئه المتمثل بعدم التقيد بعامية وسط السودان والبطانة كأداة تعبيرية واسعة الانتشار. لذا فقد عمد إلى استخدام الفصحى كأداة قادرة على التعبير عن الأحاسيس الماورائية والغوص في المعاني والمكنونات وسبر أغوارها، إلا أن اللغة العربية الفصحى مليئة بمزالق شتى قد تنسف النص وتخرجه من سياقه وتؤدي إلى صورة شوهاء عكس ما قصده الكاتب إذا استخدمت دون تعمق وتمعن وتدبر، كما سنورد هنا.
كلمة (حصور) مثلاً، التي اعتمدها الكاتب ككلمة مفتاحية في فهم شخصية شرف الدين بطل الرواية والتي قصد بها الكاتب أن شرف الدين قرر أن لا يتزوج فقط، تعتبر كلمة خاطئة بكل المقاييس وسوف تؤدي إلى هدم النص وبالتالي الرواية برمتها. كلمة حصور تعني حسب قاموس (لسان العرب): ( الحصور هو الذي لا يأتي النساء ويشتهيهن)، أي أنه الذي لا يتزوج مطلقاً ولا يزني. أما في "المعجم الوسيط" فقد شُرحت كلمة (حصور) على النحو التالي: (الحصور: الممتنع عن الإنغماس في الشهوات) وفي التنزيل: (إن الله يبشرك بيحي مُصدقاً بكلمة منه وسيداً وحصوراً) أهـــ. عليه فإن كلمة حصور المفتاحية هي أقرب إلى معنى كلمة -Puritan))- أي المتطهر- وهو وصف لأتباع مذهب التطهرية- Puritanism))- الذي انشق عن البروتستانتية في العصر اليزابيثي في القرن السادس عشر. إذ كان من الأفضل للكاتب أن يستخدم كلمة (عازب) أو (معزابة) وتعني الرجل الذي طالت عزوبته حتى ما له في الأهل (الزواج او الزوجة) من حاجة (لسان العرب) أهــ. فلو قدر لهذه الرواية الولوج إلى فضاء العالمية أي إذا قُدر لها أن تترجم إلى لغة أخرى فسوف يقع مترجمها في حيرة وربكة، إزاء كلمة حصور هذه. لأنه سوف يدرك أنها تعني التطهر والعفاف وعدم الانغماس في الشهوات ثم يكتشف بعد قليل أن بطل الرواية منغمس في شهواته لدرجة الذوبان في ذاته واتحاده معها.
الوجودية والحرية
يبدو تشرب الكاتب الواضح وتأثره بالفلسفه الوجودية، حيث قام البناء الهيكلي للرواية على هذا المبدأ المتشعب العصي على الفهم. إذا عالج الكاتب بحرفية عالية وإتقان مبهر ووصف عميق مشكلات المسئولية والحرية، والقلق، واليأس، والاغتراب، والموت، والعبث، والجدوى واللامعقول التي تشكل جوهر الوجود الإنساني بوصفه ذاتاً فاعلة ومتفاعلة في محيطها الإنساني العام. خطوط سورين كيركجور، وفريدريك نيتشة، وديتسوفسكي وبييركامي وجان بول سارتر واضحة المعالم في هذه الرواية. تحديداً عالج الكاتب مشكلة الحرية والاختيار وفلسفة الموت والعدم بعمق شديدين.
-لماذا يموت الناس؟
- على الأرجح ، لأنهم لم يعد لديهم ما يقولونه أو يفعلونه!
- لا أظن ذلك.
- ولماذا لا تظن ذلك؟
- لأن جزءاً مني يشعر بالسعادة كذلك.
- حقاً؟
- أجل، الموت شيء مخيف لنا، ولكنه شيء مريح للأموات، أفلا نسعد لراحتهم؟
- معك حق. (حوار فلسفي عميق حول ماهية الموت بين شرف الدين ووقية- الفصل -20).
وفي حوار آخر لشرف الدين مع وقية حول حرية اختيار الحزن:
- ألا تمنح نفسك فرصة أن تحزن عليها لو قليلاً؟
- لقد منحتها الفرصة الكافية، أبديت حزني منذ أن وطأت أرض العيكورة، وحتى دُفنت في سلام، فماذا بعد؟
- إنها أمك؟
- وهل تنكرت لها؟
- لم تكن تحبها إذن؟
- أحبها؟ لا أحد يحب أمه مثلي، ولكنها ماتت الآن.
- أفلا تُبدى بعض الاحترام لموتها؟
- هي تستحق الاحترام، ولكن موتها لا يستحق ذلك، لعلها سعيدة الآن قبل أن يتهمها أحدهم بقتل عمتي عديلة حرقاً. هل تحاولين التهرب مني؟
- لا ولكني حزينة من أجل أمك.
- إذن هل بإمكانك تؤجلي حزنك حتى نفرغ من هذا؟ ما زال للعمر متسع للحزن ولكني اللحظات الجميلة تنقضي بسرعة (الفصل 19).
هذا الحوار يشبه إلى حد كبير موقف الموظف البسيط في رواية (الغريب) لبيير كاميه الذي (يطلب منه الآخرون أن يحزن على أمه بالطريقة التي يراها المجتمع).
خاتمة
سلبيات الرواية
- عدم الدقة في الوصف الحقيقي للمكان والزمان (عبقرية المكان).
- استخدام مفردات عربية فصحى غير صحيحة.
- عدم استخدام مفردات عامية من بيئة المكان في المواقف التي تتطلب ذلك.
- عدم احتدام وتصاعد الصراع بين الخير والشر. أو عدم وجود هذا الصراع أصلاً.
- بطء الحوار والحركة. (عدم وجود دينامية).
إيجابيات الرواية
-عالج الكاتب إرتداد وانسحاب شرف الدين أمام الواقع إلى ذاتة القلقة وعقدته الأبدية الناتجة عن تعرضه (لانتهاك جنسي) في المعتقل وتقمصه وتلبسه لشخصية (حسن البلولة) الخيالية والمتوهمة، وإدمانه للكحول التي كانت تعمل محفزاً لهرموناته الجنسية وبالتالي نزاوته البوهيمية التوهمية، التي خلقت له هلوسة بصرية زائفة بمحسوس غير موجود بروعة نادرة.
- الجرأة في معالجة (تابوهات) القرية، والخروج الصارخ على تراتيب التفكير الجمعي الذي يقدس الإمامة الدينية، والأمومة وقيم القرية، وكلها مقدسات وتخوم غير قابلة للملامسة والمصافحة، بصورة درامية سردية غاية في الجمال وبلغة عربية "رصينة" استطاع بها الغوص في لجج فلسفية عميقة تعجز مفردات اللغة أحياناً عن التعبير عن مكنوناتها.
- البعد الفلسفي العميق المتمثل في استفسارات الموت والعدم والحياة والأسئلة الحائرة للبطل.
- تصوير شرف الدين كشخصية فنانة مرهفة توحدت في روحه النزعة الاختيارية- الميتافيزقية بعاطفة القلق الإنساني في مجتمع قروي بسيط.
- تنازع الخير والشر ومدافعاته غير موجودة في هذا الرواية لذا نرى في الختام بعد أن نكتشف أن شخصية (شرف الدين) لم تكن سوى شخصية لإنسان مريض يرقد بمستشفى التجاني الماحي لمدة تسع سنوات كاملة قرر مدافعة الشر الذي تمثله السلطة والمعتقل بإضافة قناع مبتسم إلى قائمة كمالياتة. ما أورع أن يدفع البسطاء الشر بقناع مبتسم.

اشتر نسختك الآن

+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( السيّدة الأولى ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( أرض الميـّت ) من هــنــــــــــا
+ يمنكم طلب نسختكم من رواية ( بـتـروفـوبـيــــا) من هــنــــــــــا